وقال الطبري: هلك يزيد بن معاوية وكانت وفاته بقرية من قرى حمص يقال لها حوارين من أرض الشام لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة 64 وهو ابن ثمان وثلاثين سنة في قول بعضهم.136 وبهلاكه انتهى الحكم من الفرع الأموي السفياني، حيث لم يبق ابنه معاوية في الحكم غير شهرين !!
عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالاشدق: والي المدينة الذي عينه يزيد بعد الوليد بن عتبة والذي مال شدقه لكثرة سبه أمير المؤمنين﵇، حتى إذا جاءه خبر قتل الحسين﵇ ونودي بقتله، لم يُسمع بواعية كواعية بني هاشم، هنا استخفه الطرب، وأمالته الشماتة.. وتمثل بقول القائل:
عجت نساء بني زياد عجة
كعجيج نسوتنا غداة الارنب..
لم يمر عليه إلا تسع سنوات حتى كان رأسه معزولا عن بدنه. وعاقبته هي ما يذكرها المؤرخون، فإن عبد الملك لما أحكم أمر الشام، ووجه روح بن زنباع الجذامي الى فلسطين شخص عن دمشق، حتى صار إلى بطنان يريد قرقيسيا لمحاربة زفر بن الحارث، وأمرُ ابن الزبير على حاله، فلما صار إلى بطنان من أرض قنسرين أتاه الخبر بأن عمرو بن سعيد بن العاص قد وثب بدمشق، ودعا إلى نفسه، وتسمى بالخلافة، وأخرج عبد الرحمن بن عثمان الثقفي خليفة عبد الملك بدمشق وحوى الخزائن وبيوت الاموال، فعلم عبد الملك أنه قد أخطأ في خروجه عن دمشق، فانكفأ راجعا إلى دمشق، فتحصن عمرو بن سعيد، ونصب له الحرب، وجرت بينهم السفراء، حتى اصطلحا وتعاقدا، وكتبا بينهما كتاباً بالعهود والمواثيق والإيمان على أن لعمرو بن سعيد الخلافة بعد عبد الملك، ودخل عبد الملك دمشق وانحاز مع عمرو بن سعيد أصحابُه، فكانوا يركبون معه إذا ركب إلى عبد الملك.
ثم دبر عبد الملك على قتل عمرو، ورأى ان الملك لا يصلح له إلا بذلك، فدخل إليه عمرو عشية، وقد أعد له جماعة من أهله ومواليه ومن كان عنده ممن سواهم، فلما استوى لعمرو مجلسه قال له: يا أبا أمية ! إني كنت حلفت في الوقت الذي كان فيه من أمرك ما كان، أني متى ظفرت بك وضعت في عنقك جامعة، وجمعت يديك إليها. فقال: يا أمير المؤمنين ! نشدتك بالله أن تذكر شيئاً قد مضى. فتكلم من بحضرته، فقالوا: وما عليك أن تبر قسم أمير المؤمنين؟
فأخرج عبد الملك جامعة من فضة، فوضعها في عنقه، وجعل يقول:
أدنيته مني ليسكن روعه
فأصول صولة حازم مستمكن
وجمع يديه إلى عنقه، فلما شد المسار جذبه إليه، فسقط لوجهه، فانكسرت ثنيتاه، فقال: نشدتك الله، يا أمير المؤمنين، أن يدعوك عظم مني كسرته إلى أن تركب مني أكثر من ذلك، أو تخرجني إلى الناس فيروني على هذه الصورة ! وإنما أراد أن يستفزه فيخرجه، وكان على الباب من شيعة عمرو بن سعيد نيف وثلاثون ألفا منهم عنبسة بن سعيد، فقال له: أمكراً أبا أمية، وأنت في الانشوطة؟ وليس بأول مكر، إني والله لو علمت أن الأمر يستقيم، ونحن جميعا باقيان، لافتديتك بدم النواظر، ولكني أعلم أنه ما اجتمع فحلان في إبل إلا غلب أحدهما. وقتله وفرق جمعه، وطرح رأسه إلى أصحابه، ونفى أخاه عنبسة إلى العراق، وكان ذلك سنة 70هـ..