في فترة سابقة كان المألوف في المجتمع الشيعي العربي أن العالم لا ينبغي له أن يصعد المنبر الحسيني وإنما المنبر هو شغل من ليس له مستوى علمي، ومن لم يفلح وينجح في الدراسة، فهذا هو الذي يكون (روزه خون)156 وأما الذكي وصاحب المستوى العلمي فينبغي أن ينشغل في علوم الفقه والأصول والحكمة..
أنتجت تلك النظرة السقيمة والتي اختص بها المجتمع الشيعي العربي ولذا لا تجدها في المجتمع الشيعي الايراني ولا الهندي أو الباكستاني أو التركي الذي يكثر فيها (المجتهدون الخطباء)، أنتجت أن صار المنبر مقتصراً، في الغالب، على الرثاء وعلى المعاجز والقصص العجيبة، التي لا ينتظر من الخطيب غيرها، ولا ينتظر السامع منه غير أن يحصل على الثواب بسبب الحضور في مجلس عقد باسم الحسين﵇.
لكن الوضع تغير في الفترة الأخيرة بحمد الله بعدما توجه أعاظم العلماء ورواد المرجعية إلى الدور الاستثنائي الذي يقوم به المنبر في صقل النفوس وفي إيصال الفكر المحمدي والعلوي إلى الناس، فكان أن وجهوا وشجعوا العديد من ذوي الكفاءة الأدبية والعلمية إلى الاهتمام بالمنبر والخطابة، ونتج من ذلك ما نراه اليوم من بركات.
ومع عودة المنبر إلى مكانه الطبيعي وإقبال الناس على الحضور إليه لا سيما في الموسمين (محرم ورمضان) فإن ذلك يحمل الخطيب مسؤولية مضاعفة، وربما يتصور بعض الناشئة من الخطباء أن الطريق السهل والسريع إلى الصعود والشهرة هو الصوت الجميل والحفظ الكثير، وهو صحيح في بداية الأمر لكنه ليس دائما، فقد يستمرئ شخص عصيرا طيباً، ولكنه لا يتخذه إلى الأخير غذاء لبدنه. وقد يحلو لشخص استماعه لترنيمة حزينة ولكنه لا ينفق الساعات دائما لاستماعها، ولك أن تتحقق من صدق هذه المقولة بما نلاحظه في المجتمع عيانا. فقد أصبح المستمع يقيم الخطيب الفلاني بتميزه عن سائر الخطباء، ويميز خطابه اليوم عن خطابه بالأمس من ناحية المستوى، ويطالب بمستويات أعلى، وهكذا.
وهذه الأمور تدعو إلى أن نتوجه وإخواني الخطباء إلى تحصيل مزيد من العلم والمعرفة، والحصول على قدرة في التحقيق والتدقيق في المسائل والقضايا التي نطرحها للناس.
الالتزام بالاعداد المناسب للحديث:
من المهم جدا أن يشعر الخطيب أن الناس قد ائتمنوه على أفضل ما عندهم، وأعطوه عقولهم لينقش فيها على مدى ساعة من الزمان أو نصفها، ما يريد.. فليتق الله في هذه الأمانة، ولا يصب في تلك العقول إلا ما ينفعها في دنياها وأخراها.
ولو أردنا أن نحسب الأمر من الناحية الكمية، فإن معنى أن يجتمع لخطيب ألف شخص تحت منبره، هو أن ألف ساعة من وقت المجتمع قد وضعت تحت تصرف هذا الخطيب، فكيف سيتصرف فيها؟ منها ساعة الطبيب، وساعة المهندس وساعة المدرس.. الخ، وكل واحدة من هذه لها قيمة مالية خاصة.
إن ارتقاء المنبر، والتشريق حينا والتغريب حينا آخر على غير هدى ولا هدف.. يعد جريمة بحق هذه الساعات التي يحتاجها المجتمع. ويعد كارثة بالنسبة لتلك العقول التي سلمت لهذا الشخص.
ونحن نتحدث هنا مع القادر من المنبريين على العطاء من خلال الاعداد الجيد، والتهيؤ المناسب للمناسبة، وإلا فلو كان الخطيب في مستوى معين لا يستطيع تجاوزه، فـ (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، ويكون الحاضر إليه قد (أقدم) على إنفاق هذا المقدار من الوقت، قاصدا بذلك الثواب.
وبهذه المناسبة نشير إلى طريقتين يعتمد الكثير من الخطباء المعاصرين إحداهما أو كليهما في تهيئة الموضوع: