السيرة الحسينية وضرورة تنقيحها

وهنا ينبغي التفريق بين عدم الثبوت وعدم تعقله من قبل السامع وقد يغفل عن هذا التفريق كثير من الناس، فقد يكون شيء غير ثابت من الناحية التاريخية وهذا يختلف عن أنه لا يتقبله ذهن هذا الإنسان فقد يكون المستوى الذهني لهذا الشخص غير مؤهل لقبول بعض الحقائق ولكن لا يعني ذلك عدم تحققها وعدم وجودها تماما كما أننا نجد اليوم حقائق في حياتنا المعاصرة لو سمعها الأقدمون لم يقبلها عقلهم !!.

وربما يزعم البعض بأن التهويل والتضخيم للمصائب يقع في دائرة (حدثوا شيعتنا بأعظم ما وقع علينا) لبيان مظلوميتهم ومأساتهم، وهذا غير صحيح فإن فيما وقع عليهم مما صح نقله شيئا كثيرا يستغنى بمثله عن افتعال بعض القصص، أو زيادة الأقوال.. خصوصا أن هذا الأثر19 يقول (بأعظم ما وقع علينا) أي لا بد من إحراز (أو الاطمئنان بـ) كونه مما وقع عليهم، ثم ينتخب الأعظم منه، لا أعظم ما لم يقع عليهم.

لقد كان آية الله الشيخ الشوشتري20 رحمه الله يصعد المنبر ويصرح بأنه لا يحتاج المرء إلا إلى التأمل في بعض الروايات التاريخية الثابتة ويستنطقها ليرى عظم المصيبة التي حلت بأهل البيت﵈، فلماذا يأتي البعض بروايات غير صحيحة، أو يبالغون في قسم من القضايا؟ وهذا ما يظهر لكل قارئ لكتابه المواعظ أو الأيام الحسينية.

فليس معنى التحقيق في الروايات التاريخية تجريدها من الجانب المأساوي أو حذف مواضع المصيبة وإنما يعني أن تذكر المصائب الحقيقية، وهي كثيرة جدا.

الهوامش

  1. 1. نهج البلاغة 3 / 91.
  2. 2. بحار الأنوار 45/ 134: من خطبة السيدة زينب بنت علي﵍.
  3. 3. ذكره النجاشي في رجاله فقال: لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالم الأزدي الغامدي، أبو مخنف، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسكن إلى ما يرويه، روى عن جعفر بن محمد﵇. وقيل: إنه روى عن أبي جعفر﵇ ولم يصح. وصنف كتبا كثيرة، منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح العراق، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورى، كتاب قتل عثمان، كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب النهر، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنين﵇، كتاب قتل الحسن﵇، كتاب قتل الحسين﵇، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب أخبار زياد، كتاب أخبار المختار، كتاب أخبار الحجاج، كتاب أخبار محمد بن أبي بكر، كتاب مقتل محمد، كتاب أخبار ابن الحنفية، كتاب أخبار يوسف بن عمر، كتاب أخبار شبيب الخارجي، كتاب أخبار مطرف بن المغيرة بن شعبة، كتاب أخبار آل مخنف بن سليم، كتاب أخبار الخريت بن راشد الناجي وخروجه.
  4. 4. قد يقول بعض أن حميد بن مسلم وإن عده البعض من أصحاب السجاد بالمعنى العام ِأي المعاصرة وأنه لا توثيق له لا بالتوثيق الخاص ولا العام (بل نظرا لكونه في صف الأمويين) فلا يمكن الاعتماد على رواياته.. لكن ذلك غير صحيح فإن المدار في النقل التاريخي على الثقة بالرواية وهذا حاصل في هذا المورد فإن حميد بن مسلم وهو بحسب الموقف في الجيش الأموي لا يمكن أن ينقل ما هو في صف خصمه، ولذا لو نقل عن بطولات الأصحاب ومأساة النساء، فإنه في هذا غير متهم، بل ربما كان أدعى للقبول بهذا الاعتبار عند بعضهم ممن يكون في الصف الحسيني.
  5. 5. ذوب النضار في الأخذ بالثار لابن نما الحلي ص 9.
  6. 6. مقتل الحسين للمقرم 282.
  7. 7. المصدر السابق 231.
  8. 8. روى أبو مخنف عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: لما رأيت أصحاب الحسين﵇ قد أصيبوا، وقد خلص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي وبشير بن عمرو الحضرمي، قلت له: يابن رسول الله، قد علمت ما كان بيني، وبينك، قلت لك: أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا، فإذا لم أر فأنا في حل من الانصراف، فقلت لي: نعم. قال: فقال: (صدقت، وكيف لك بالنجاء ! إن قدرت على ذلك فأنت في حل). قال: فأقبلت إلى فرسي وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر، أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطا لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلا، فقتلت يومئذ بين يدى الحسين﵇ رجلين، وقطعت يد آخر، وقال لي الحسين﵇ يومئذ مرارا: (لا تشلل، لا يقطع الله يدك، جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيك﵌) ! فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط، ثم استويت على متنها، ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم، فأفرجوا لي، واتبعني منهم خمسة عشر رجلا حتى انتهيت إلى شفية، قرية قريبة من شاطئ الفرات، فلما لحقوني عطفت عليهم، فعرفني كثير بن عبد الله الشعبي وأيوب بن مشرح الخيواني وقيس بن عبد الله الصائدي، فقالوا: هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي، هذا ابن عمنا، ننشدكم الله لما كففتم عنه ! فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله لنجيبن إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبوا من الكف عن صاحبهم. قال: فلما تابع التميميون أصحابي كف الاخرون، قال: فنجاني الله.
  9. 9. ومع أن الضحاك لم يحظ بشرف الشهادة بين يدي الحسين﵇، وفاته هذا التوفيق العظيم إلا أن بقاءه نفع في نقل تفاصيل الواقعة من عنصر كان شاهدا، وتفاصيل أحداث ما جرى في المخيم ولعل الناظر إلى مقتل الحسين للأزدي، وغيره يرى بوضوح أثر رواياته تلك.
  10. 10. النوري الطبرسي: مستدرك الوسائل 10/402.
  11. 11. هناك رأيان بالنسبة إلى الزيارة هذه فهناك من يرى بأن الزيارة صادرة عن صاحب الزمان عجل الله فرجه، ولذا اشتهر اسمها بأنها زيارة الناحية المقدسة وقد ذكر محمد بن المشهدي المتوفى في سنة (610هـ): ومما خرج من الناحية﵇ إلى بعض الأبواب قال: تقف عليه صلى الله عليه وتقول...
  12. 12. وهناك رأي آخر يرى عدم ثبوت كونها كذلك وإنما هي من إنشاء بعض العلماء المتقدمين كالسيد المرتضى. أما العلامة المجلسي في البحار 98 ص 328 فقد قال وقد ذكر الشيخ المفيد بعد الزيارة التي نقلناها من المصباح ما هذا لفظه: زيارة أخرى في يوم عاشوراء برواية أخرى.. وقال العلامة المجلسي بعد أن ساق الزيارة إلى آخرها ناقلا عن المزار الكبير للمشهدي: فظهر أن هذه الزيارة منقولة مروية، ويحتمل أن لا تكون مختصة بيوم عاشورا، كما فعله السيد المرتضىD. وأما الاختلاف الواقع بين تلك الزيارة وبين ما نسب إلى السيد المرتضى فلعله مبني على اختلاف الروايات والأظهر أن السيد أخذ هذه الزيارة وأضاف إليها من قبل نفسه ما أضاف. أقول: لا يمكن دعوى أنهاـ فيما اتفق من لفظ الزيارتين من إنشاء السيد المرتضى مع ذكرها من قبل استاذه الشيخ المفيد رضوان الله عليهما.
  13. 13. سوف يأتي في الأسئلة بيان الوجه في هذا المقطع من الزيارة.
  14. 14. المشهدي ؛ محمد بن جعفر: المزار 503.
  15. 15. الميرزا حسين النوري الطبرسي، توفي 1320هـ، من تلامذة الميرزا الشيرازي الكبير، لازمه حين انتقاله إلى سامراء واختص به، ويعد خاتمة المحدثين، له كتاب (مستدرك الوسائل) احتوى على اكثر من 23 ألف حديث، وله أيضاً (خاتمة المستدرك) في الرجال في 8 مجلدات. وهو أستاذ عدد من أعيان الطائفة منهم آقا بزرك الطهراني، والمحدث الشيخ عباس القمي.
  16. 16. الشيخ عباس بن محمد رضا القمي، توفي سنة 1359هـ، محدث خبير، وواعظ مؤثر، ومؤلف مكثر له قرابة (60) كتابا، أشهرها عند الناس (مفاتيح الجنان) في الأدعية والزيارات، من تلامذة المحدث النوري الطبرسي.
  17. 17. الميرزا محمد بن محمد القمي: كان له من الفقاهة والاجتهاد مقام سام، ورتبة عالية، وقد سافر في اوائل شبابه الى العتبات الشريفة. وحضر عند الميرزا الشيرازي، واستفاد منه وكانت عمدة تلمذه في الفقه والأصول على يد الحاج الميرزا حبيب الله الرشتي، والملا كاظم الخراساني، وبعدما اكمل دراسته للعلوم الدينية وحصل على القوة القدسية واجيز بالاجتهاد.. عاد الى وطنه (قم)، وظهرت له الرئاسة العامة والشهرة التامة، وذاعت شهرة فقاهته وفضيلته جميع الأصقاع، وقرعت كل الأسماع..) عن منازل الآخرة للمحدث القمي.
  18. 18. منتهى الآمال للمحدث القمي ج 1.
  19. 19. السيد محسن الأمين العاملي، توفي سنة 1371هـ. فقيه مصلح، ومؤلف قدير، بلغت تأليفاته أكثر من (80) عنوانا، من بينها موسوعة أعيان الشيعة (في 50 مجلدا)، من تلامذة الآخوند الملا كاظم الخراساني، والفقيه آقا رضا الهمداني. كان له أدوار اصلاحية وأعمال مهمة لا سيما في لبنان وسوريا.
  20. 20. المجالس السنية في مناقب ومصاب العترة النبوية.