السيرة الحسينية وضرورة تنقيحها

وفي الواقع ينبغي الإلتفات إلى توجهين خاطئين: الإصرار على أن كل ما في السيرة المنقولة في الكتب من غير تحقيق هو شيء مقدس لا تطاله يد التحقيق والمناقشة.. وهذا خطأ لاسيما عندما نرى وجود قصص في بعض الكتب لا مصدر لها أصلا، أو أن مصدرها غير معتمد، ولكن يتم التركيز عليها مثلا من باب أنها مشجية أكثر، وأدعى لجلب الدمعة والحزن.

والتوجه الآخر: معاكس لهذا بالتمام، فهو يفترض أن الشك هو الأساس، وأن كل ما لا يقبله عقله، أو لم يصل إلى علمه، فهو غير صحيح ويجب حذفه، ولو كانت أسانيده تامة. ولا يترتب عليه محذور، سوى مخالفته للمألوف أو للنهج الفكري الذي يعتمده ذلك الشخص.

ولقد بادر علماؤنا ومحدثونا مشكورين إلى ذكر هذه المسائل والتحذير منها في نصائحهم للخطباء وقراء التعزية الحسينية، فاعتبروا أن مما يعد كذبا ولا يجوز أخذ الأجرة عليه هو افتعال الروايات غير الصحيحة أو نقلها على نحو الجزم. ولو كانت تؤدي إلى غرض حسن وهو إشعار الناس بعظم مظلومية أهل البيت﵈. فقد كتب المحدث النوري13 رحمه الله كتابا في آداب خطباء المنبر باللغة الفارسية باسم (لؤلؤ ومرجان) وضمنه الكثير من النصائح في لزوم التثبت في النقل.

ويذكر المحدث الشيخ عباس القمي14 عن كتاب (الأربعين الحسينية) للميرزا محمد بن محمد تقي القمي15 نصيحة بالغة وموعظة جامعة..منها:

.. وأضحى جماعة من ذاكري المصائب لا يتورعون عن اختراع وقائع مبكية وكثر اختراع الأقوال منهم واعتبروا أنفسهم يشملهم الحديث (من أبكى فله الجنة)، وشاع هذا الكلام الكاذب مع الأيام حتى صار يظهر في مؤلفات جديدة، وإذا حاول محدث أمين مطلع منع هذه الأكاذيب، نسبوها إلى كتاب مطبوع أو كلام مسموع أو تمسكوا بقاعدة التسامح في أدلة السنن، وتوسلوا منقولات ضعيفة توجب اللوم والتوبيخ من الملل الأخرى، كجملة من الوقائع المعروفة التي ضبطت في الكتب الجديدة في حين أنه لا عين ولا أثر لهذه الوقائع عند أهل العلم والحديث كعرس القاسم في كربلاء الذي نقله في كتاب (روضة الشهداء) من تأليف الفاضل الكاشفي وقام الشيخ الطريحي وهو من أجلة العلماء والمعتمدين بنقله عنه ولكن في كتاب (المنتخب) أموراً كثيرة جرى التساهل والتسامح بها وهي لا تخفى على أهل البصيرة والاطلاع)16.

وأشار غيره من الفقهاء والمحققين إلى لزوم التدقيق فيما يذكر في واقعة كربلاء، فهذا السيد الأمين17 رحمه الله يقول مبينا خطورة ما يلجأ إليه بعض الخطباء: (... ولكن كثيرا من الذاكرين لمصابهم قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها لم يذكرها مؤرخ ولا مؤلف، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحة الأخبار وسقمها حتى حفظت على الألسن وأودعت في المجامع واشتهرت بين الناس ولا من رادع وهي من الأكاذيب التي تغضبهم﵈ وتفتح باب القدح للقادح فإنهم لا يرضون بالكذب الذي لا يرضي الله ورسوله﵌ وقد قالوا لشيعتهم: كونوا زينا لنا ولا تكونوا شينا علينا، وقد اكتسبوا هم ومن قبلها منهم وأقرهم عليها الإثم المبين، فإن الله لا يطاع من حيث يعصى ولا يتقبل الله إلا من المتقين، والكذب من كبائر الذنوب الموبقة لا سيما إن كان على النبي﵌ وأهل بيته الطاهرين..)18.