السيرة الحسينية وضرورة تنقيحها

السيرة الحسينية وضرورة تنقيحها

أهمية سير الأبطال في المجتمعات:

1. من أهم ما تقوم به سير الحياة الشخصية للعظماء صناعة القدوة للأطفال والأحداث من أبناء المجتمع فإن هؤلاء إذا نظروا وهم في حداثة سنهم إلى تقدير المجتمع لأبطاله يتحول هؤلاء في أذهانهم إلى طموح أعلى ومثل أسمى يظل يشرق في أنفسهم، ولذا فإنهم في تلك السن المبكرة يحاولون أن يحاكوا الطريقة التي عاش عليها أولئك الأبطال، ولذا نفهم ما يقوم به الغرب من تقديم قدوات وأبطال على مقاييسه بالنسبة لأطفالنا وشبابنا اليوم، ونفهم خطورته أيضاً.. فهم لكي يبينوا التفوق الأمريكي ويحولوه إلى ثقافة يقدمون لنا نماذج (البطولة والقوة والمثل العليا في صورة أفلام وكارتون).

2. تعطي دراسة السير الشخصية لأبطال الأمة شعورا للفرد والمجتمع بأنه ينتمي لتاريخ ممتد ولجيل صالح. وهذا له كبير الأثر على سلوكه، فإن شعور الفرد مثلا أنه ينتمي إلى عائلة شريفة يصنع له دافعا إضافيا للصلاح، ويحجزه في كثير من الأحيان عن تناول الصغائر وكذا حين يشعر بالانتماء إلى مجتمع وتاريخ زاهر ومنه قول أمير المؤمنين﵇ في كتابه لواليه مالك الأشتر النخعي (.. ثم الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف..)1 بينما الأشخاص الذين لا تاريخ لهم، ولا ينتمون إلى جيل صالح قد يكونون أقرب إلى المسيرة الخاطئة. وهذا ما يذكره علماء الاجتماع حين يتعرضون إلى بيان الأسباب التي تؤدي لكثرة الجريمة في التجمعات البشرية الخليطة من أجناس مختلفة ومستويات ثقافية متعددة بالقياس إلى تلك المجتمعات التي تمتلك تاريخا موحدا وثقافة مشتركة.

من ذلك وجدنا القرآن يتحدث عن قصص السابقين، سواء في أدوارهم الايجابية لصناعة القدوة (فاعتبروا يا أولي الأبصار). أو في الجهات السلبية بالتنفير من نماذج الرذيلة والانحراف والعصيان. وفي إطار صناعة القدوة الطيبة وربط الناس بها نجد أنه قد حرصت الأحاديث على ربط الناس بتلك الصفوة من البشر محمد﵌ الطاهرين كما يفهم من التأكيد على ذكرهم والصلاة على النبي وآله في المصادر الإسلامية.

أهمية السيرة الحسينية:

  • ومع أنه توجد في حياة الأشخاص جهات شخصية لا تتكرر، مثل طوله وعرضه، ولون بشرته وصفاته الخَلقية والجسمية، ونسبه.. إلا أن هناك أمورا عامة هي محل الإقتداء مثل أخلاقه وسيرته والنظام الحياتي الذي كان عليه، وجهاده ونصره للدين. وهذا ما يدعونا إلى دراسة سيرة النبي والمعصومين﵈، ومن هؤلاء الإمام الحسين﵇. ففيها إضافة إلى ما سبق.

أنها إطلالة على تاريخ الإسلام في القرن الأول، فإن معرفة ما جرى في ذلك القرن يجعل المسلم واعيا بالنتائج التي وصلت إليها الأمة فيما بعد. بينما يبقى أولئك الذين لا رؤية واضحة لهم بالنسبة للأحداث التي حصلت فيه، غير قادرين على فهم الكثير من النتائج، حيث أنها مربوطة بمقدماتها.

متابعة مسيرة مجتمع: احتوى على مختلف النماذج: الانتهازي والمتفاني، عابد الدنيا والمشتاق إلى الآخرة، الشيخ الكبير الذي هو بهمة الشباب، والحدث الذي هو برأي الشيوخ، الحر العبد والرق المتحرر.. ويستطيع الإنسان أن يعتبر بما وصل إليه كل واحد من نتيجة في عاجل حياته، وما الذي ينتظره بحسب القواعد الكلامية، من جزاء في الآخرة.

مصادر السيرة الحسينية:

كيف انتقلت أحداث الواقعة؟ وكيف صورت؟

بعض الحوادث حدودها من الزمان، مدتها فقط فلا تشغل أكثر من دقائق مثل طعامك قبل شهر، استغرق عشر دقائق، ثم إنك نسيته أنت فضلا عن سائر الناس ثم انتهى، نعم لو كان فيه جهة محرمة كأن يكون غصبا أو حراما فإن تبعته تبقى وأثره الوضعي يستمر، وهكذا لو كان فيه جهة خيرة.

وهناك بعض الحوادث طبيعتها أن تبقى وتؤرخ لما فيها من الجهة العامة التي ترتبط بالآخرين كما هو الحال في المعارك العقائدية والمناظرات الفكرية، بل الأحداث السياسية.

وقضية الإمام الحسين﵇ تحتوي على كل عناصر البقاء والاستمرار في التاريخ، بل في وعي الأمة الإسلامية.. وذلك لارتباطها بكل التيارات من جهات مختلفة فإن أتباع الخط الأموي كان عليهم أن يجيبوا على أصل موقف السلطة التي اتخذته من الإمام﵇ ومن أهل بيته وأنصاره، ثم تفاصيل الممارسة، وفي المقابل كان أتباع أهل البيت﵈ ينشرونها، والمحايدون يحاولون التفتيش عن جواب مقنع لن يكون موجودا، إلا بمعرفة بني أمية على حقيقتهم.

لقد انتقلت الحادثة بتفاصيلها الكثيرة، بمواقف أبطالها، وكلمات شجعانها، ورجز مقاتليها من جهة، وانتقلت بعمق مأساتها، بجروح الضرب والتنكيل، والسلب والتشهير، وبغربة النساء، (تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ليس لهن من ولاتهن ولي ولا من حماتهن حمي..)2 وبلوعة الأطفال واليتامى. انتقلت من الأفئدة المكلومة والعيون الباكية إلى صدور الناقلين ثم إلى كتب التاريخ، ولقد حاول الكثيرون تزييف الحادثة، أو إسدال ستار النسيان على أحداثها، لكن خابوا فما زالت أحداث الواقعة حية ساخنة وكأنها قد حدثت ليوم خلا.

ويتعجب الناظر إلى تلك التفاصيل الدقيقة التي ترصد كل حركة وكلمة، فهذا نافع بن هلال في جوف الليل يحرس الحسين من دون أن يشعر وعندما يراه﵇ يشجعه على الفرار والنجاة بنفسه، فيقول ما هو أهله، وما يخلده. وهذه زينب وهي تحدث أخاها الحسين في ليلة عاشوراء وتسأله عن وضع المخيم والأنصار و..

من الذي نقل كل هذه التفاصيل، وما هي مصادرها؟

يمكن أن نوجز في ما يلي مصادر الواقعة:

1. التاريخ العام مثل تاريخ الطبري وابن الأثير، والمسعودي،..وغيرهم. فقد اعتمد هؤلاء المتأخرون على المؤرخ المعروف لوط بن مخنف الأزدي3، بل قد يمكن القول أن ما جاء في الطبري هو خلاصة لما كتبه أبو مخنف المذكور، وكان في ذلك أكثر من جهة فائدة، فقد فُقد كتاب مقتل الحسين للأزدي، وتم استخراج ما نقله عنه الطبري باعتباره المقتل، بينما لم يكن كل المقتل وما جرى فيه. وهو يروي عمن شهد الواقعة كحميد بن مسلم بواسطة،والضحاك المشرقي.

2. وشهود عيان في المعسكر الأموي، فإن بعضهم كان بمثابة المؤرخ، والناقل للأخبار مثل حميد بن مسلم4، أو غيرهم ممن نقل (بطولاته !): مثل كعب بن جابر لما قتل برير بن خضير عتبت عليه زوجته وقالت أنها لن تكلمه، فقال أبياتا منها:

ولم تر عيني مثلـهم في زمانهم

ولا قبلـهم في الناس إذ أنا يافع

أشد قراعا بالسيوف لدى الوغى

ألا كل من يحمي الذمار مقارع

وذلك الذي قال:

ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يمينا وشمالا، وتلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لأتت على العسكر بكامله، فما كنا فاعلين لا أم لك5.

وهلال بن نافع الذي قال: كنت واقفا نحو الحسين وهو يجود بنفسه فما رأيت قتيلا مضمخا بدمه أحسن منه وقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله فاستسقى في هذه الحال ماء فأبوا أن يسقوه6..

(يشار هنا إلى الفرق بين هلال (المخسوف) بن نافع الأموي الذي كان عاقبة أمره خسرا وبين نافع بن هلال الحسيني الذي نفع نفسه بموقفه، والذي يقول:

أرمي بها معلمة أفواقها

والنفس لا ينفعها إشفاقها

وهو الذي تقدم باللواء للمشرعة يوم السابع وكان له موقف رائع في انفراده مع الحسين﵇ ليلة العاشر كما كان له في المعركة مواقف مشرفة إلى أن استشهد).

ومثل هاني بن ثبيت الحضرمي: إني لواقف عاشر عشرة لما صرع الحسين إذ نظرت إلى غلام فأقبل عليه رجل يركض بفرسه حتى إذا دنا منه مال عن فرسه وعلاه بالسيف فقتله.

ومسروق بن وائل الحضرمي: كنت أول الخيل لعلي أصيب رأس الحسين فأحظى به عند ابن زياد فلما رأيت ما صنع بابن حوزة (أو حويرثة في بعض الكتب) علمت أن لأهل هذا البيت حرمة فتركت القتال7..

3. وشهود عيان من معسكر الحسين﵇: مثل الضحاك بن عبد الله المشرقي8، وعقبة بن سمعان مولى الرباب الذي صحب الحسين﵇ من المدينة إلى مكة ومنها إلى العراق (ولم أفارقه حتى قتل وسمعت جميع كلامه فما سمعت منه ما يذكر الناس من أنه يضع يده في يد يزيد وأن يسيره إلى ثغر من الثغور).

والمرقع بن ثمامة الأسدي الذي أُسر فاستأمنه قومه فنفاه ابن زياد إلى الزارة والحسن بن الحسن (المثنى) الذي قاتل إلى جانب عمه الحسين ﵇ حتى قتل سبعة عشر من الأعداء ثم قطعت يده، وأخذه أسماء بن خارجة الفزاري لأن أمه فزارية، وزيد بن الحسن وعمرو بن الحسن..وهكذا نساء أهل البيت وعلى وجه الخصوص زينب بنت أمير المؤمنين﵍ فإنه يعتقد أن أحد أسباب طلب والي الأمويين على المدينة إخراجها منها كان لسبب أنها بروايتها ما حدث كانت تستثير الناس.

4. أئمة أهل البيت﵈: فالإمام علي بن الحسين السجاد استفاد من جميع الفرص بما هو غير خاف. والإمام جعفر الصادق في تشجيعه للراثين والرثاء، وعن طريق نقل الأخبار فقد صلى ركعتين في الحنانة وقال هاهنا وضع رأس الحسين عندما أخذ للكوفة9. وعندما شبت النار في الأخبية، نقل موضوع حرق الخيام، وتأتيه جارية بطفل في أثناء الرثاء فيذكّر بمصاب الطفل الرضيع..

5. الزيارات: مثل الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة10 والتي تعرضت في تفصيل جميل لمقدمات الثورة ووضع المجتمع الإسلامي في تلك الفترة، والدوافع التي حركت الإمام الحسين﵇ للثورة، وكيف كان مسير المعركة، وأخيرا فيها تفصيل للمقتل مما صار على ألسنة الخطباء نصا ثابتا (.. فلما رأوك ثابت الجأش، غير خائف ولا خاش، نصبوا لك غوائل مكرهم، وقاتلوك بكيدهم وشرهم، وأمر اللعين جنوده، فمنعوك الماء ووروده، وناجزوك القتال، وعاجلوك النزال، ورشقوك بالسهام والنبال، وبسطوا إليك أكف الاصطلام ولم يرعوا لك ذماما، ولا راقبوا فيك آثاما، في قتلهم أولياءك، ونهبهم رحالك، وأنت مقدم في الهبوات، ومحتمل للأذيات، وقد عجبت من صبرك ملائكة السماوات. وأحدقوا بك من كل الجهات، واثخنوك بالجراح، وحالوا بينك وبين الرواح، ولم يبق لك ناصر، وأنت محتسب صابر، تذب عن نسوتك وأولادك. حتى نكسوك عن جوادك، فهويت إلى الأرض جريحا، تطؤوك الخيول بحوافرها، وتعلوك الطغاة ببواترها، قد رشح للموت جبينك، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك، تدير طرفا خفيا إلى رحلك وبيتك، وقد شغلت بنفسك عن ولدك وأهلك، وأسرع فرسك شاردا، وإلى خيامك قاصدا، محمحما باكيا. فلما رأين النساء جوادك مخزيا، ونظرن سرجك عليه ملويا، برزن من الخدور، ناشرات الشعور11 على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات، وبعد العز مذللات، وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك، مولع سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنده، قد سكنت حواسك، وخفيت أنفاسك، ورفع على القنا رأسك، وسبي أهلك كالعبيد، وصفدوا في الحديد، فوق أقتاب المطيات، تلفح وجوههم حر الهاجرات، يساقون في البراري والفلوات، أيديهم مغلولة إلى الأعناق، يطاف بهم في الأسواق. فالويل للعصاة الفساق، لقد قتلوا بقتلك الإسلام، وعطلوا الصلاة والصيام، ونقضوا السنن والأحكام، وهدموا قواعد الإيمان، وحرفوا آيات القران، وهملجوا في البغي والعدوان..)12، وزيارة الإمام الحجة للحسين﵉ والتي فيها أسماء الشهداء مع الحسين مع أسماء قاتليهم وستأتي في قسم الملحقات.

تنقيح السيرة الحسينية:

جرت العادة في المجتمعات الشيعية على قراءة السيرة الحسينية لا سيما أيام العشرة الأولى من محرم الحرام في كل عام، وحيث أنها تتكرر كذلك، فإنها تتحول إلى جزء من الموروث الثقافي لأبناء المجتمع، وتؤثر في فكرهم وسلوكهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون. ولذا كان أمر تصحيح السيرة وتنقيحها، وعدم ذكر المستهجن أو غير المقبول في العقول إلا مع التوضيح فضلا عن غير الصحيح أمراً مهماً.

وينبغي أن يشار إلى قضية مهمة وهي أنه لا يصح أن يشكَّك في المسائل الثابتة بزعم أننا نقوم بتنقيح السيرة، أو أننا لا نحب هذه الجملة أو تلك الواقعة فنقوم بحذفها من السيرة فهذا عمل خاطئ، بل هو خيانة للتاريخ لو كانت الجملة ثابتة والنص صحيحا.وكذلك الحال عندما يستطرق من بعض الأمور التاريخية غير الثابتة إلى التشكيك في جملة السيرة وأحداثها، فإن ذلك أمر خطر.

نعم، ما كتب عن السيرة هو كسائر القضايا التاريخية فيه الصحيح وفيه غير ذلك ولكن بحمد الله لم يتطرق الخلل إلى أصل السيرة، ولا إلى أحداثها الأساسية التي تنفع في الإقتداء والتأسي. ومع ذلك نحن نحتاج إلى تنقية ما علق بها، وهذا الأمر لا لجهة أن الآخرين ينتقدوننا وإنما لجهة أن بقاء مثل هذه الشوائب يشوه الصورة الحقيقية لصاحب السيرة العظيم.

وفي الواقع ينبغي الإلتفات إلى توجهين خاطئين: الإصرار على أن كل ما في السيرة المنقولة في الكتب من غير تحقيق هو شيء مقدس لا تطاله يد التحقيق والمناقشة.. وهذا خطأ لاسيما عندما نرى وجود قصص في بعض الكتب لا مصدر لها أصلا، أو أن مصدرها غير معتمد، ولكن يتم التركيز عليها مثلا من باب أنها مشجية أكثر، وأدعى لجلب الدمعة والحزن.

والتوجه الآخر: معاكس لهذا بالتمام، فهو يفترض أن الشك هو الأساس، وأن كل ما لا يقبله عقله، أو لم يصل إلى علمه، فهو غير صحيح ويجب حذفه، ولو كانت أسانيده تامة. ولا يترتب عليه محذور، سوى مخالفته للمألوف أو للنهج الفكري الذي يعتمده ذلك الشخص.

ولقد بادر علماؤنا ومحدثونا مشكورين إلى ذكر هذه المسائل والتحذير منها في نصائحهم للخطباء وقراء التعزية الحسينية، فاعتبروا أن مما يعد كذبا ولا يجوز أخذ الأجرة عليه هو افتعال الروايات غير الصحيحة أو نقلها على نحو الجزم. ولو كانت تؤدي إلى غرض حسن وهو إشعار الناس بعظم مظلومية أهل البيت﵈. فقد كتب المحدث النوري13 رحمه الله كتابا في آداب خطباء المنبر باللغة الفارسية باسم (لؤلؤ ومرجان) وضمنه الكثير من النصائح في لزوم التثبت في النقل.

ويذكر المحدث الشيخ عباس القمي14 عن كتاب (الأربعين الحسينية) للميرزا محمد بن محمد تقي القمي15 نصيحة بالغة وموعظة جامعة..منها:

.. وأضحى جماعة من ذاكري المصائب لا يتورعون عن اختراع وقائع مبكية وكثر اختراع الأقوال منهم واعتبروا أنفسهم يشملهم الحديث (من أبكى فله الجنة)، وشاع هذا الكلام الكاذب مع الأيام حتى صار يظهر في مؤلفات جديدة، وإذا حاول محدث أمين مطلع منع هذه الأكاذيب، نسبوها إلى كتاب مطبوع أو كلام مسموع أو تمسكوا بقاعدة التسامح في أدلة السنن، وتوسلوا منقولات ضعيفة توجب اللوم والتوبيخ من الملل الأخرى، كجملة من الوقائع المعروفة التي ضبطت في الكتب الجديدة في حين أنه لا عين ولا أثر لهذه الوقائع عند أهل العلم والحديث كعرس القاسم في كربلاء الذي نقله في كتاب (روضة الشهداء) من تأليف الفاضل الكاشفي وقام الشيخ الطريحي وهو من أجلة العلماء والمعتمدين بنقله عنه ولكن في كتاب (المنتخب) أموراً كثيرة جرى التساهل والتسامح بها وهي لا تخفى على أهل البصيرة والاطلاع)16.

وأشار غيره من الفقهاء والمحققين إلى لزوم التدقيق فيما يذكر في واقعة كربلاء، فهذا السيد الأمين17 رحمه الله يقول مبينا خطورة ما يلجأ إليه بعض الخطباء: (... ولكن كثيرا من الذاكرين لمصابهم قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها لم يذكرها مؤرخ ولا مؤلف، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحة الأخبار وسقمها حتى حفظت على الألسن وأودعت في المجامع واشتهرت بين الناس ولا من رادع وهي من الأكاذيب التي تغضبهم﵈ وتفتح باب القدح للقادح فإنهم لا يرضون بالكذب الذي لا يرضي الله ورسوله﵌ وقد قالوا لشيعتهم: كونوا زينا لنا ولا تكونوا شينا علينا، وقد اكتسبوا هم ومن قبلها منهم وأقرهم عليها الإثم المبين، فإن الله لا يطاع من حيث يعصى ولا يتقبل الله إلا من المتقين، والكذب من كبائر الذنوب الموبقة لا سيما إن كان على النبي﵌ وأهل بيته الطاهرين..)18.

وهنا ينبغي التفريق بين عدم الثبوت وعدم تعقله من قبل السامع وقد يغفل عن هذا التفريق كثير من الناس، فقد يكون شيء غير ثابت من الناحية التاريخية وهذا يختلف عن أنه لا يتقبله ذهن هذا الإنسان فقد يكون المستوى الذهني لهذا الشخص غير مؤهل لقبول بعض الحقائق ولكن لا يعني ذلك عدم تحققها وعدم وجودها تماما كما أننا نجد اليوم حقائق في حياتنا المعاصرة لو سمعها الأقدمون لم يقبلها عقلهم !!.

وربما يزعم البعض بأن التهويل والتضخيم للمصائب يقع في دائرة (حدثوا شيعتنا بأعظم ما وقع علينا) لبيان مظلوميتهم ومأساتهم، وهذا غير صحيح فإن فيما وقع عليهم مما صح نقله شيئا كثيرا يستغنى بمثله عن افتعال بعض القصص، أو زيادة الأقوال.. خصوصا أن هذا الأثر19 يقول (بأعظم ما وقع علينا) أي لا بد من إحراز (أو الاطمئنان بـ) كونه مما وقع عليهم، ثم ينتخب الأعظم منه، لا أعظم ما لم يقع عليهم.

لقد كان آية الله الشيخ الشوشتري20 رحمه الله يصعد المنبر ويصرح بأنه لا يحتاج المرء إلا إلى التأمل في بعض الروايات التاريخية الثابتة ويستنطقها ليرى عظم المصيبة التي حلت بأهل البيت﵈، فلماذا يأتي البعض بروايات غير صحيحة، أو يبالغون في قسم من القضايا؟ وهذا ما يظهر لكل قارئ لكتابه المواعظ أو الأيام الحسينية.

فليس معنى التحقيق في الروايات التاريخية تجريدها من الجانب المأساوي أو حذف مواضع المصيبة وإنما يعني أن تذكر المصائب الحقيقية، وهي كثيرة جدا.

الهوامش

  1. 1. نهج البلاغة 3 / 91.
  2. 2. بحار الأنوار 45/ 134: من خطبة السيدة زينب بنت علي﵍.
  3. 3. ذكره النجاشي في رجاله فقال: لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالم الأزدي الغامدي، أبو مخنف، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسكن إلى ما يرويه، روى عن جعفر بن محمد﵇. وقيل: إنه روى عن أبي جعفر﵇ ولم يصح. وصنف كتبا كثيرة، منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح العراق، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورى، كتاب قتل عثمان، كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب النهر، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنين﵇، كتاب قتل الحسن﵇، كتاب قتل الحسين﵇، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب أخبار زياد، كتاب أخبار المختار، كتاب أخبار الحجاج، كتاب أخبار محمد بن أبي بكر، كتاب مقتل محمد، كتاب أخبار ابن الحنفية، كتاب أخبار يوسف بن عمر، كتاب أخبار شبيب الخارجي، كتاب أخبار مطرف بن المغيرة بن شعبة، كتاب أخبار آل مخنف بن سليم، كتاب أخبار الخريت بن راشد الناجي وخروجه.
  4. 4. قد يقول بعض أن حميد بن مسلم وإن عده البعض من أصحاب السجاد بالمعنى العام ِأي المعاصرة وأنه لا توثيق له لا بالتوثيق الخاص ولا العام (بل نظرا لكونه في صف الأمويين) فلا يمكن الاعتماد على رواياته.. لكن ذلك غير صحيح فإن المدار في النقل التاريخي على الثقة بالرواية وهذا حاصل في هذا المورد فإن حميد بن مسلم وهو بحسب الموقف في الجيش الأموي لا يمكن أن ينقل ما هو في صف خصمه، ولذا لو نقل عن بطولات الأصحاب ومأساة النساء، فإنه في هذا غير متهم، بل ربما كان أدعى للقبول بهذا الاعتبار عند بعضهم ممن يكون في الصف الحسيني.
  5. 5. ذوب النضار في الأخذ بالثار لابن نما الحلي ص 9.
  6. 6. مقتل الحسين للمقرم 282.
  7. 7. المصدر السابق 231.
  8. 8. روى أبو مخنف عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: لما رأيت أصحاب الحسين﵇ قد أصيبوا، وقد خلص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي وبشير بن عمرو الحضرمي، قلت له: يابن رسول الله، قد علمت ما كان بيني، وبينك، قلت لك: أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا، فإذا لم أر فأنا في حل من الانصراف، فقلت لي: نعم. قال: فقال: (صدقت، وكيف لك بالنجاء ! إن قدرت على ذلك فأنت في حل). قال: فأقبلت إلى فرسي وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر، أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطا لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلا، فقتلت يومئذ بين يدى الحسين﵇ رجلين، وقطعت يد آخر، وقال لي الحسين﵇ يومئذ مرارا: (لا تشلل، لا يقطع الله يدك، جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيك﵌) ! فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط، ثم استويت على متنها، ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم، فأفرجوا لي، واتبعني منهم خمسة عشر رجلا حتى انتهيت إلى شفية، قرية قريبة من شاطئ الفرات، فلما لحقوني عطفت عليهم، فعرفني كثير بن عبد الله الشعبي وأيوب بن مشرح الخيواني وقيس بن عبد الله الصائدي، فقالوا: هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي، هذا ابن عمنا، ننشدكم الله لما كففتم عنه ! فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله لنجيبن إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبوا من الكف عن صاحبهم. قال: فلما تابع التميميون أصحابي كف الاخرون، قال: فنجاني الله.
  9. 9. ومع أن الضحاك لم يحظ بشرف الشهادة بين يدي الحسين﵇، وفاته هذا التوفيق العظيم إلا أن بقاءه نفع في نقل تفاصيل الواقعة من عنصر كان شاهدا، وتفاصيل أحداث ما جرى في المخيم ولعل الناظر إلى مقتل الحسين للأزدي، وغيره يرى بوضوح أثر رواياته تلك.
  10. 10. النوري الطبرسي: مستدرك الوسائل 10/402.
  11. 11. هناك رأيان بالنسبة إلى الزيارة هذه فهناك من يرى بأن الزيارة صادرة عن صاحب الزمان عجل الله فرجه، ولذا اشتهر اسمها بأنها زيارة الناحية المقدسة وقد ذكر محمد بن المشهدي المتوفى في سنة (610هـ): ومما خرج من الناحية﵇ إلى بعض الأبواب قال: تقف عليه صلى الله عليه وتقول...
  12. 12. وهناك رأي آخر يرى عدم ثبوت كونها كذلك وإنما هي من إنشاء بعض العلماء المتقدمين كالسيد المرتضى. أما العلامة المجلسي في البحار 98 ص 328 فقد قال وقد ذكر الشيخ المفيد بعد الزيارة التي نقلناها من المصباح ما هذا لفظه: زيارة أخرى في يوم عاشوراء برواية أخرى.. وقال العلامة المجلسي بعد أن ساق الزيارة إلى آخرها ناقلا عن المزار الكبير للمشهدي: فظهر أن هذه الزيارة منقولة مروية، ويحتمل أن لا تكون مختصة بيوم عاشورا، كما فعله السيد المرتضىD. وأما الاختلاف الواقع بين تلك الزيارة وبين ما نسب إلى السيد المرتضى فلعله مبني على اختلاف الروايات والأظهر أن السيد أخذ هذه الزيارة وأضاف إليها من قبل نفسه ما أضاف. أقول: لا يمكن دعوى أنهاـ فيما اتفق من لفظ الزيارتين من إنشاء السيد المرتضى مع ذكرها من قبل استاذه الشيخ المفيد رضوان الله عليهما.
  13. 13. سوف يأتي في الأسئلة بيان الوجه في هذا المقطع من الزيارة.
  14. 14. المشهدي ؛ محمد بن جعفر: المزار 503.
  15. 15. الميرزا حسين النوري الطبرسي، توفي 1320هـ، من تلامذة الميرزا الشيرازي الكبير، لازمه حين انتقاله إلى سامراء واختص به، ويعد خاتمة المحدثين، له كتاب (مستدرك الوسائل) احتوى على اكثر من 23 ألف حديث، وله أيضاً (خاتمة المستدرك) في الرجال في 8 مجلدات. وهو أستاذ عدد من أعيان الطائفة منهم آقا بزرك الطهراني، والمحدث الشيخ عباس القمي.
  16. 16. الشيخ عباس بن محمد رضا القمي، توفي سنة 1359هـ، محدث خبير، وواعظ مؤثر، ومؤلف مكثر له قرابة (60) كتابا، أشهرها عند الناس (مفاتيح الجنان) في الأدعية والزيارات، من تلامذة المحدث النوري الطبرسي.
  17. 17. الميرزا محمد بن محمد القمي: كان له من الفقاهة والاجتهاد مقام سام، ورتبة عالية، وقد سافر في اوائل شبابه الى العتبات الشريفة. وحضر عند الميرزا الشيرازي، واستفاد منه وكانت عمدة تلمذه في الفقه والأصول على يد الحاج الميرزا حبيب الله الرشتي، والملا كاظم الخراساني، وبعدما اكمل دراسته للعلوم الدينية وحصل على القوة القدسية واجيز بالاجتهاد.. عاد الى وطنه (قم)، وظهرت له الرئاسة العامة والشهرة التامة، وذاعت شهرة فقاهته وفضيلته جميع الأصقاع، وقرعت كل الأسماع..) عن منازل الآخرة للمحدث القمي.
  18. 18. منتهى الآمال للمحدث القمي ج 1.
  19. 19. السيد محسن الأمين العاملي، توفي سنة 1371هـ. فقيه مصلح، ومؤلف قدير، بلغت تأليفاته أكثر من (80) عنوانا، من بينها موسوعة أعيان الشيعة (في 50 مجلدا)، من تلامذة الآخوند الملا كاظم الخراساني، والفقيه آقا رضا الهمداني. كان له أدوار اصلاحية وأعمال مهمة لا سيما في لبنان وسوريا.
  20. 20. المجالس السنية في مناقب ومصاب العترة النبوية.