وأما عن اللفظ المذكور فهو لم يرد بهذا النص إلا في الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة، وهي إن قيل بعدم ثبوتها عن المعصوم فلا حجية فيه، وإن قيل بثبوتها من الناحية السندية فيمكن توجيه هذه العبارة بعدة توجيهات:
الأول: أنهن خرجن من خدورهن لا إلى المعركة على هذه الحالة، وإنما بداية خروجهن من الخيمات الخاصة بالنساء إلى فناء المخيم أو الخيمات الأخرى، إذ أن بعض المصادر التاريخية تذكر بأن الإمام الحسين﵇ يوم التاسع أمر أن تجعل خيام النساء متوسطة في المخيم، بحيث تحيطها باقي الخيمات من الجهات المختلفة، وهذا هو الأمر الطبيعي الذي يقوم به المؤمنون حتى في الأحوال العادية حيث يؤمنون لنسائهم أكبر ما يمكن من حال الستر والحفظ والحماية. فلما جاء جواد الحسين﵇ وعرفن بعظم المصيبة قمن بما تقوم به كل امرأة ثاكل وفاقد من البكاء ونشر الشعر أي حله وترك الزينة واللطم، وخرجن من خيماتهن إلى خارجها ولكنهن ما زلن في داخل المخيم، ولم يخرجن إلى المصرع بهذه الحالة.
والثاني: بأن خروجهن ربما لا يكون على نحو بحيث تظهر شعورهن للأجانب خصوصا مع ملاحظة بعد المسافة بين مخيم الإمام الحسين وبين موقف الجيش الأموي. فمن المعروف أن المسافة كانت على الأقل بحيث تبتعد فيها المخيمات عن المرمى المباشر للسهام والنبال، وإن كانت ربما يصل بعضها بحسب ما ورد في أحداث اليوم العاشر، أن بعض سهام القوم ونبالهم قد وصلت إلى المخيمات..وهذه المسافة (وهي كما قيل أن غلوة السهم قرابة مائتين وخمسين مترا) لا تسمح بالرؤية المباشرة.
والذي يلاحظ بقايا الأسماء للمواقع كما هي في مدينة كربلاء يجد هذه المواقع (التل الزينبي) و (محل مقتل الحسين﵇) و(المخيم) وفي الجهة الأخرى محل مصرع أبي الفضل العباس قرب شريعة الفرات يجد أن المسافة بين المخيم حيث أن المفروض أنه هو الموقع الحقيقي لخيام الحسين﵇ وبين مصرع أبي الفضل الذي كان في طريقه إلى المخيم قادما من الفرات بعدما ملأ القربة، يجدها مسافة بعيدة لا تسمح للأعداء بالنظر والاطلاع على أحوال النساء حتى لو فرضنا خروجهن على باب المخيم.
هذا كله بالنظر إلى نفس العبارة، وأما لو فرضنا ما نعرفه من التزام نساء أهل البيت﵈ بالحجاب والعفاف ومحافظتهن عليه، فإنه يشكل قرينة قطعية على أن المقصود من العبارة على فرض صدورها من المعصوم لا يراد منها معناها الظاهري جزماً..فتقيد بما يناسب ذلك أو ترد ! هذا كله بناء على تمامية نسبة الزيارة للإمام المعصوم﵇، وقد تقدم النقاش في هذا الموضوع في الصفحات السابقة، وأما لو لم يكن نصاً من المعصوم فالأمر فيه سهل.
وبالطبع هذا يختلف عما بعد السبي والسلب، فإنهن في تلك الحال كن مسبيات مسلوبات الإرادة، وليس معهن ما يستترن به بعد أخذت منهن تلك الأشياء، وسلبت منهن. وإنما الكلام في ما قبل السبي حيث أن ظاهر العبارة أنهن فعلن ذلك بارادتهن، وتوجيهه هو ما عرفت.
�س: كيف يوفق بين قول الحسين: إن الله حاميكن وحافظكن، وبين أخذهن سبايا؟
الجواب: ذكر أن الإمام الحسين﵇، قال في وداعه للنساء: (استعدوا للبلاء، واعلموا أن الله حافظكم وحاميكم، وسينجيكم من شر الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعذب أعاديكم بأنواع البلاء ويعوضكم الله عن هذه البلية أنواع النعم والكرامة، فلا تشكوا، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم)88.