فهل يعقل أن يدعو الإمام الحسين﵇ على مجموعة من المؤمنين المخلصين في هذا الزمان بسوء الحال وبأن يمنعوا من بركات الأرض وقطر السماء، لأن شخصاً من سلسلتهم النسبية قبل ألف وثلاثمائة وستين84 قد قام بعمل سيء، وقاتل الحسين﵇؟ هذا لا يعقل.
ثم إن كون الإنسان مولوداً في منطقة جغرافية معينة أمر ليس باختياره هو حتى يكتسب الذم والاثم والمشاكل المستقبلية، والفقر والظلم، وإنما يكتسب الإنسان تلك الأمور بناء على اختياراته.
ونحن كما نجد ما ظاهره الذم لأهل العراق أو أهل الكوفة، وهو ليس خاصا بالإمام الحسين﵇ بل نقل عن الإمام أمير المؤمنين كلمات تنتهي إلى هذا المعنى.. فإننا نجد أيضاً كلمات ظاهرها المدح والثناء على أهل تلك المناطق، والاشادة بهم.. ولا يعقل أن يكون هناك تضاد بين كلمات الأئمة﵈، فيبقى أن يقال أن الذم هو لجهة والمدح لأخرى. وتلك الجهة قد تكون بلحاظ الساكنين فيها في زمان فيذمون، فإذا تغيروا وجاء جيل جديد يحتوي على صفات جيدة فإنهم يمدحون فإنه قد ألف أصحابنا كتباً كثيرة في فضل الكوفة، ورووا فيها روايات كثيرة تصف أهلها بأنهم شيعتهم وأنصارهم..الخ.
الثاني: محور النص نفسه فقد فُرض في النص واقعة خارجية وقوم معينون محصورون ضمن موقف اتخذوه، وقد حكم عليهم بحكم هو مفاد الدعاء الذي طلب الحسين فيه من الله سبحانه أن يجعلهم كذلك.
وقد ذكر العلماء فروقا بين القضية الواقعية وبين القضية الخارجية، منها ما يرتبط بالمقام أن القضية الحقيقية لا يتكفل فيها المتكلم بإحراز الواقع وإنما هي قضية فرضية أو شرطية، متى حصلت يترتب عليها الحكم، فإذا قال مثلا: الخمر حرام فهو لا يتكفل بإحراز الموضوع وأن هذا السائل الخارجي خمر أو لا؟ وإنما لو فرض وجود سائل وصدق عليه الخمر في هذا الزمان أو غيره فإنه يكون حراما.
وهذا بخلاف القضية الخارجية فإن المتكلم يحرز الموضوع ويرتب عليه الحكم. مثل علي مع الحق والحق مع علي، فإن النبي﵌، عيّن وأحرز الموضوع وهو شخص الإمام﵇ ورتب عليه كونه مع الحق، وكون الحق معه.
ومقامنا هو من القسم الثاني، فإن الإمام الحسين﵇، يشير إلى هؤلاء بقوله (اللهم اشهد عليهم.. اللهم فامنعهم قطر السماء وبركات الأرض..). فهو يتحدث عن قوم موجودين أمامه، ويدعو عليهم دون أن يتعرض إلى من سيأتي بعدهم ومن هم في أصلابهم إلى يوم الدين.
بل يزيده وضوحا، أن الإمام﵇ قد علل دعاءه عليهم، بصفات خاصة بهم، ولا تتعداهم إلى غيرهم، فقد قال معللاً:.. فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا.. ومثل هاتين الصفتين لا تتحقان في غير القضية التاريخية المحدودة بزمانها.. نعم يمكن أن يأتي في المستقبل ممن هم أسوأ حالاً، أو أمثالهم، ولكن هذا بحث آخر.
الثالث: المحور التاريخي: أن الكوفة والتي كانت تعرف بكوفة الجند، كانت مجمعاً للقبائل العربية المختلفة فكان منها القحطاني والعدناني وعرب الجنوب والشمال، وسكن فيها أكثر أفراد القبائل العربية، وهناك تكاثروا واستوطنوها. فقد قسمت أسباعاً في كل سبع كانت قبيلة.