أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

وإنما ينبغي النظر إلى سائر الروايات والنصوص الإسلامية الأخرى التي تكون بمثابة القرينة على المقصود من هذه الروايات التي بين أيدينا، ويستفاد من سائر الروايات مثلا: أن القائل لهذا الذكر لا بد أن يكون معتقدا به ولو على نحو الإجمال، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}58. فوصفهم بالكذب مع أن مقولتهم حقيقية، وربما يكون ذلك لأجل الاختلاف بين مقام التلفظ ومقام الاعتقاد.

وهكذا بالنسبة إلى هذه الروايات فإنها ينبغي أن تلاحظ مع سائر الروايات الأخرى التي هي بمثابة القرينة بالنسبة لها، حتى تنتج ما هو الصحيح.

4. إنه قد ينطبق عنوان ما على فعل من الأفعال، فيكون ذلك الفعل علامة الإيمان ومظهر الدين، وحينئذ فلا ينبغي التعامل مع الفعل باعتبار ذاته وإنما باعتبار ما يرمز إليه ويدل عليه، فإن (شق سنام الناقة في قران الحج أو تعليق نعل في رقبتها) أمر لو نظر إليه في حدود نفس الفعل لم يكن شيئاً مهماً، ولكن حين يكون عنواناً لشعائر الله، لا يجوز لأحد حينئذ إحلاله كما قال القرآن {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ}59. وحين يكون فعل من الأفعال عنواناً لشخصية الإنسان، أو كاشفا عن عمق الإيمان فإنه يثاب بمقدار أهمية المنكشف لا بمقدار قلة الكاشف. إن دمعة ندم واستغفار من مذنب في جوف الليل قد تستوجب من الثواب أضعاف ما يستوجبه مقدار كبير من النوافل والصلوات المستحبة التي تتجاوز تلك الدمعة من حيث وقتها وزمانها. وإن قول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) بما هو إعلان للإيمان وكفر بالطواغيت يمهد الطريق للمرء للوصول إلى الجنان. ويحقن بواسطته دم القائل ويصون ماله وعرضه، وينقله من الظلمات إلى النور، مع أنه لا يستغرق من حيث الجهد والزمان إلا شيئاً يسيراً، ولكنه يعني الانتقال من عبادة غير الله إلى عبادة الله. فيعطي للقائل جميع حقوق الإنسان المسلم ويساويه بذلك الذي عبد الله منذ صغره وقام بالنوافل..

والبكاء على الإمام الحسين﵇ بما يمثل من إعلان موقف في الانتماء إلى خط الإمام﵇، وإعلان صرخة الاستنكار والعداء لظالميه وقاتليه وبما هو كاشف عن استيعاب خطه المقدس يجعل ترتب ذلك الثواب عليه أمراً طبيعياً.

�س: هل أن الذي قتل الحسينَ هم شيعتُه؟ فنحن نقرأ في بعض الكتب أن شيعة الحسين في الكوفة هم الذين دعوه ثم خانوه وقتلوه !! فهم الآن يبكون لذلك؟

الجواب: إن تلك الكلمة تشبه الكلمة التي قالها معاوية خداعاً للناس عندما قتل عمار بن ياسر، وكانوا قد عرفوا حديث رسول الله (تقتله الفئة الباغية) فقال معاوية: ما قتلناه إنما قتله من أخرجه60؟! يعني علي بن أبي طالب﵇.

فإننا لو عرفنا من هم شيعة الحسين﵇ ومن هم شيعة أعدائه ومن هم قتلته لعرفنا أن هؤلاء لم يكونوا إلا أعداءه؟ إن أهل البيت﵈ يتحدثون عن شيعتهم فيحددون مواصفاتهم العامة بحيث يصبح فاقد هذه الصفات غير معدود من شيعتهم باختلاف مستويات تخلف هذه الصفات، في درجاتها فقد يسلب أصل الصفة وقد يسلب بعض درجاتها:

شيعتنا الذين إذا خلوا ذكروا الله كثيراً61.

شيعتي من لم يهِرّ هرير الكلب ولم يطمع طمع الغراب62.

شيعتنا أهل الورع والاجتهاد وأهل الوفاء والأمانة وأهل الزهد والعبادة63.