أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

ومثلها أيضاً في المجاميع الروائية لأهل البيت﵈. ونظرا لكثرتها العظيمة في كتب الفريقين (السنة والشيعة) فلا ينبغي الخوض في أسانيدها على أن ما فيها من الأحاديث المعتبرة شيء ليس بالقليل.. فينبغي أن يكون الجواب عاما هنا وفي سائر المواضع. والجواب قد يمكن تمهيده عبر مقدمات:

1. أن الثواب عند الله سبحانه وتعالى لا حدود له، ومشكلة الإنسان أنه يقيس المعادلات الإلهية بمقاييسه هو وهي مقاييس صغيرة وحقيرة للغاية. وهناك مشكلة أخرى وهي أننا لا نعرف كيفية الارتباط بين الفعل الإنساني والجزاء الإلهي، نعم نعرف أن هناك ارتباطا بينهما {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}56..لكن أي عمل هو الأفضل جزاء عند الله، هل هو الأطول زمانا؟ أو الأكثر تكلفة؟ أو الأصدق نية أو غير ذلك؟ فقد نرى في بعض المواقع أن عملاً لا يستغرق سوى وقت قصير ومع ذلك يترتب عليه ذلك الثواب العظيم، وقد نرى عملاً من أعمال الجوانح والقلوب، وهي لا تحتاج إلى بذل جهد ظاهري كبير، أفضل من حيث الثواب من بعض أعمال الجوارح والأعضاء مما يبذل لأجله جهد كبير.. وهكذا. فنحن لا نعرف ذلك إلا من خلال الإخبار الإلهي بواسطة الوحي.

ولذلك يتعجب الإنسان من مثل هذه الروايات لأنها تأتي في سياق خارج مقاييسه، فهو محدود وهي لا حدود لها، وهو بخيل وهي في نهاية الكرم.. ومن جهة أخرى هو لا يستطيع إدراك قيمة هذه الأمور عند الله.

2. أن هذه الآثار المذكورة هي عادة على نحو الاقتضاء في التأثير وليست بنحو العلية التامة، وإنما تقول أن هذه الآثار تترتب على تلك المقدمات ما لم يمنع مانع من تأثيرها، أو يلغي فاعليتها. وهذا أمر يمكن ملاحظته في الحياة العامة للإنسان فهو يذهب إلى الطبيب ويصف له هذا دواء رافعا للمرض المعين، ولكن ذلك ليس على نحو الحتم والعلية التامة وإنما ذلك الدواء يقتضي أن يرفع المرض وآثاره ما لم يكن هناك مانع عن تأثيره كتناول أدوية مضادة لتأثير الأولى، أو التعرض لمسببات جديدة تزيد من آثار المرض وهكذا..

ولعله إلى هذا يشير ما ورد عن رسول الله﵌: من قال سبحان الله غرس الله بها شجرة في الجنة ومن قال الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة ومن قال لا إله إلا الله غرس الله له بها شجرة في الجنة ومن قال الله أكبر غرس الله له بها شجرة في الجنة فقال رجل من قريش: إن شجرنا في الجنة لكثير !! قال: نعم ولكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها وذلك إن الله يقول {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم}57. فهذه الآثار تترتب ما لم يأت مانع فيمنعها أو رافع يرفعها.

3. إنه لا يمكن التمسك بإطلاق هذه الروايات، بل لا بد من حملها على المقيدات، والنظر إلى سائر القرائن..فليس صحيحا أن يقال مثلا: أن من قال كذا دخل الجنة ولو كان في قوله مستهزئاً، أو أن من بكى على الحسين دخل الجنة ولو كان غير مسلم.. الخ.