أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

بل ورد أنه لا مانع من البكاء حتى على غير المؤمن من الضُّلال.. إذا كان على وجه الرقة والحزن والأسف على مصيرهم. مما لا يعد تأييدا لطريقتهم كما في باب 89 من الوسائل، وعليه يحمل ما فعله بعض أجلة العلماء مثل الشريف الرضي والمرتضى مع صاحبهما أبي إسحاق الصابي حيث رثاه كل منهما بقصيدة غراء.

نعم قد يعارضه أمور:

منها ما في دعوى (المبسوط)45 الإجماع على عدم جواز النياحة، ولكنها كما ذكر الكثير دعوى غير مقبولة وتعجب بعضهم من دعوى الشيخ الاجماع46 على المسألة.. نعم لو أراد النياحة المذكورة التي تنتهي إلى الكذب، فلا مانع من ذلك لكن المدعى غيرها.

ومنها ما في جملة من الأخبار الناهية عن النياحة والجزع ففي رواية جابر عن الامام الباقر﵇ (.. ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقه)47 وفي رواية أخرى (النياحة من عمل الجاهلية)48 وما ورد من الإيصاء بأن (لا تخمشي علي وجها ولا تشقي علي ثوبا) وقد نقل هذا المضمون عن النبي والحسين﵉.

والجواب عنها أن الأولى مع ضعف سندها ناظرة إلى النياحة الكاذبة التي كانت على زمان الجاهلية، والثانية مع إرسالها بأن بين ما ذكر (خمش الوجوه وشق الثياب) وبين النياحة عموما من وجه، والكلام هو في النياحة التي لا يوجد فيها تلك الأمور.

ومنها حسنة معاوية بن وهب (لجهة أبي محمد الأنصاري فإنه لم يوثق بتوثيق خاص لكن مدحه محمد بن عبد الجبار في رواية في الكافي): كل الجزع والبكاء مكروه إلا الجزع والبكاء على الحسين﵇.

فإنها بعمومها تدل على منع الجزع والبكاء مطلقا، ويستثنى من ذلك الجزع والبكاء على الحسين﵇، وأما ما عداه فيبقى تحت المنع.. وقد وجهت بتوجيهات مختلفة مثل أن (مكروه) هل هي بمعنى الكراهة الاصطلاحية أو بما يشمل الممنوع؟ أو أن المكروه هو مجموع البكاء والجزع.. أو غيرها، ومحلها في الفقه حيث لا يتسع المقام لبسط الكلام فيه.

أما النياحة والندبة على الإمام الحسين﵇ فيمكن الاستدلال عليها:

أولا: بما سبق من الأدلة الدالة على جواز البكاء والنياحة على المؤمن فكيف برأس الإيمان وإمام المؤمنين؟

وثانيا: بما ورد من الروايات في خصوص هذا الموضوع: فمنها حسنة معاوية المتقدمة.

ومنها: صحيحة الفضيل بن يسار: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر49.

وفي هذه الرواية إضافة إلى ذكر الثواب الكثير على البكاء مما يفيد ما هو أكثر من مجرد الجواز بل الاستحباب، يستفاد منها جواز واستحباب ذكر الذاكر للأئمة عموما وليس الحسين﵇ فقط.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم: عن الباقر: كان علي بن الحسين﵇ يقول أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين حتى تسيل على خديه بوأه الله بها غرفا يسكنها أحقاباً. وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فيما مسنا من الأذى من عدونا في الدنيا بوأه الله مبوأ صدق..

وثالثا: بأن البكاء والنياحة على الحسين﵇ مما ينطبق عليه عنوان إحياء الدين، وأمر أهل البيت وهو في أدنى درجاته مستحب. فمنها صحيحة الفضيل وقد تقدم شطر منها (تجلسون وتتحدثون؟ قلت نعم، فقال: إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا).

هل يختص البكاء والندبة بوقت؟