أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

ولا يخفى على المتأمل ما فيها، فأما ما ذكر من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فقد كفانا مؤونةَ رده، ما قالته عائشة.. وأن معناه غير مقبول من الناحية الإسلامية ومخالف للقرآن فإما أن يكون أحد رواته واهما في النقل أو الاحتمال الآخر وهو تعمد الكذب.. كما أن مقتضاه أن يعذَّب والعياذ بالله مثل الشهيد جعفر بن أبي طالب الطيار لأجل بكاء النبي﵌ عليه؟؟ أو يعذَّب النبي والعياذ بالله وهو سيد الخلائق ببكاء الصديقة الزهراء﵍ عليه؟؟

بل يستطيع على هذا شخص من الأحياء أن يزيد في عذاب ميت من أقاربه كان يعاديه بأن ينوح عليه حتى يكثر عذابه، ويزيد.. وهو كما ترى!!

وأما ما ذكر من لعن النائحة لو ثبت فهذا يفسره ما رووه (ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول..) ومعناه لو تم صدوره عن النبي أن النياحة بالكذب غير جائز، باعتبار أن الكذب غير جائز سواء كان بنحو النياحة أو الفرح أو الحديث العادي، فهنا لا موضوعية للنياحة وإنما النهي منصب على موضوع الكذب فيها. والشاهد فيه قول الملكين: يلهزانه: أهكذا كنت؟ فإن كانت النياحة والندب بالصدق فلا معنى للهز الملائكة.. لأنه ليس بكذب ! وما ذكر في تفسير الآية (ولا يعصينك في معروف..) قال أحمد هو النوح.. ونقول هو يُحمل على النوح بالباطل والكذب.

وأما أنه يشبه التظلم والاستغاثة والسخط بقضاء الله، فبين هذا وبين النياحة عموم من وجه، أي قد يكون تظلم وسخط بقضاء الله من غير نياحة، وقد تكون نياحة من غير تسخط بقضاء الله، وقد تكون نياحة مع التسخط.. وهنا لا يتم الاستدلال بالمنع إلا في مورد الاجتماع لا عموم النياحة كما هو واضح..

هذا عند أتباع مدرسة الخلفاء، وأما عند أتباع أهل البيت﵈ فيجوز البكاء والنياحة على الميت. ويستدل عليه:

بأصل الإباحة فإنه مع الشك في أن البكاء أو النياحة حرام يأتي أصل الإباحة فضلا عما سيأتي من الأدلة على الجواز بل الاستحباب في بعض الحالات.

وبسيرة المعصومين﵈ فإنهم بكوا على أمواتهم ولو بحسب الظاهر عند الناس كيوسف إذ بكى نبي الله يعقوب على يوسف، وواقعا كبكاء باقي المعصومين: فقد بكى النبي﵌ على إبراهيم ابنه، وعلى أمه عندما زار قبرها فبكى وأبكى، وأمر أن يبكى على حمزة سيد الشهداء بعد واقعة أحد، وأظهر تأسفه على أن حمزة لا بواكي له44، فلما رأت نساء الأنصار ذلك كن لا يبكين قتلاهن حتى يبدأن بحمزة، تقول أم سعد: إلى يومنا هذا. وبكى علي أمير المؤمنين﵇ على أمه فاطمة بنت أسد، وبكت فاطمة الزهراء على أبيها، وبكى علي والحسنان على الزهراء﵈، وعلي بن الحسين على أبيه الحسين﵉.. وباقي الأئمة على الحسين مما يجده المتتبع لحياتهم صلوات الله عليهم.

وبسيرة المتشرعة المتصلة والممضاة من قبل المعصومين﵈، فقد بكت الفاطميات وناحت على الحسين﵇، بمسمع ومرأى من زين العابدين﵇، وأنشدت الرباب الشعر في رثاء الحسين﵇، وهو يسمع. وإنشاد الشعر من قبل الشعراء أمام الأئمة في حق الحسين﵇ كثير ويمكن مراجعته في باب 104 من أبواب المزار في الوسائل.

وبالروايات وهي كثيرة كما في باب 87 من أبواب الدفن و 88 من كتاب وسائل الشيعة كتاب الطهارة للحر العاملي.