أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

إن عمومات جواز البكاء والنياحة على المؤمن فضلا عن الحسين﵇ واستحبابه عليه، لا تختص بوقت دون آخر، نعم لو كانت مجددة للحزن على قريب الميت، وداعية إلى تأثره وتألمه فلا ينبغي ذلك بالنسبة للمؤمن، وأما بالنسبة إلى الإمام الحسين﵇، فلما كانت تجديدا للعهد، وداعية للتذكر، وباعثة على الاقتداء والتأسي، كان من المستحب الاستمرار عليها.

إن البكاء على الحسين﵇ (وسائر المعصومين) له فوائد متعددة:

فهو من جهة يمثل إعلان موقف انسجام، وانتماء، للحسين﵇ ولخطه، ومواساة لرسول الله﵌، وأهل البيت﵇. ولعل فقرة الزيارة المشهورة (لبيك داعي الله إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري)50 فيها إشارة إلى هذا المعنى واستمراره.

وفي نفس الوقت هو صرخة رفض للطغيان في التاريخ، وتحديد لمسؤولية المنحرفين فيه، وأن تقادم الأيام لا يمحو عبثهم بقيم الدين، وبمصالح الإسلام، ولا يمحو جرائمهم بل يبقى هذا السجل الأسود يلاحقهم بلعنة اللاعنين وأسى المؤمنين على مصائب الطيبين الطاهرين. وفي هذا شيء من الردع للظالمين اللاحقين لكيلا يظنوا أن بإمكانهم أن يفسدوا في الأرض ويهلكوا الحرث والنسل ثم ينسلّون من صفحة الحياة بعد ما ملؤوها ظلما وجورا، من دون أن يعكر صفوَ حياتهم شيءٌ.. كلا.. إن لعنة المؤمنين والذكر السيء المقرون بالاشمئزاز والتنفر ليلاحقانهم في البرزخ إلى يوم القيامة {فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ}51..

كما أنه موقف طبيعي للإنسان الطبيعي..

فإن من يقرأ الحوادث التاريخية ويكون سويا، فلا بد أن يتفاعل معها بحسب ما يتطلبه الموقف، والحدث الذي يقرأ عنه، وإلا كان عديم الإحساس، بل لم يُعد من الناس. فإن من يقرا سيرة النبي﵌، ولا يتفاعل معها في المواقف المختلفة مستحسنا عمل النبي وسيرته تارة، ومتأسفاً على جحود أعدائه لدعوته أخرى، ومسترقاً خاضعا من مناجاته لربه ثالثة، وحزيناً تغرورق عيناه بالدمع على رحيله مريضاً رابعة.. من لا يكون كذلك لا بد أن يُشك في كونه طبيعياً !! وهذا لا يرتبط بكون القارئ مسلماً بل بكونه إنساناً، فإذا لم تؤثر المواقف الإنسانية النبيلة في عواطفه، فقد خرج عن الحالة الإنسانية السوية.

وإذا تطلع إنسان إلى القضية الحسينية وما جرى في معركة عاشوراء على أبطالها، رجالاً ونساءً وأطفالاً من القتل والذبح والتمثيل والتنكيل، والسبي والإيذاء بكل صوره البشعة.. فلا بد أن يتأثر ويتفاعل معها، ولو لم يحصل له أدنى مقدار من التفاعل فلا بد أن نشكك في إنسانيته وفي كونه سويا على الفطرة البشرية، والخلقة الإلهية.

ولعل هذا ما يشير إليه حديث رسول الله﵌ في تأبين ابنه إبراهيم (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن) أي إن القلب السوي لا بد أن يتأثر ويتحرك وأن العين الطبيعية لا بد أن ينعكس عليها تأثر الداخل فتفيض بالدمع، وإلا لما كان هذا الإنسان سوياً.

بل يجد الإنسان أنه يتأثر حتى لحال الحيوان.. فما ظنك بسادة البشر؟ الذين إنما تحركوا في تلك الواقعة إلا بأنبل الدوافع وأطهر الأهداف، وضحوا بأنفسهم وأموالهم وبنيهم وأصحابهم، من أجل حياة الدين وكرامة الإنسان.. قومٌ خيرهم ربهم تشريعا بين البقاء وفي مقابله انهدام الدين واللقاء به باذلين مضحين:

فرأيت أن لقاء ربك باذلا

للنفس خير من بقاء ضنين

�س: لماذا يقام العزاء للحسين كل سنة؟ مع أنه قتل في سبيل الله؟ ولماذا لا يقام العزاء لغيره ممن هو أفضل منه كالرسول؟