أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الامة كلها بكمالها ونتهم على نبيها صلى الله عليه وسلم، فليس الامر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الائمة قديما وحديثا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة. فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون في الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه. وليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبرا عن نفسه بذلك. وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم203.

فالقضية عند أن قوما تأولوا على الحسين، واجتهدوا في أنه أراد أن يفرق كلمة الأمة ويخلع من بايعوه، واجتمعوا عليه !! ثم إن الذين قتلوه هم شرذمة من أهل الكوفة ! فأما يزيد فلم يقتل ولم يكن راضيا أيضاً !

والحقيقة أن يزيد ككثير من السياسيين لهم نوعان من الكلام:

ما يعبر عن معتقداتهم الحقيقية، وخططهم الواقعية، وهذا قد يظهر أحيانا بشكل مختصر إذا كان يخالف الرأي العام ولكنه هو المعبر عن بواطن هؤلاء الأشخاص ويلاحظ أنه هو ينسجم تماما مع طريقة حياتهم، وتوجهاتهم العملية.

وهناك كلام للاستهلاك المحلي، والتسويق بحسب الظروف المحيطة، وهذا عادة ما يكون كثيرا وغير منسجم مع الأعمال الحقيقية التي يقومون بها.

والمؤرخون الرسميون يحاولون قدر الإمكان النظر إلى النوع الثاني، ويجعلونه هو الواجهة، وهو الكل في الكل، لكنهم سرعان ما يرتطمون بالوقائع المخالفة لتلك الكلمات، فيظلون يدورون ويلفون، ولا يستطيعون حتى إقناع أنفسهم فضلا عن غيرهم.

ومن ذلك ما نقل عن يزيد أنه ما أمر بقتل الحسين﵇، ولا رضي بذلك، وأنه لو كان بين ابن زياد وبين الحسين الرحم الذي بين يزيد وبين الحسين لما فعل به ما فعل !! أو أنه سمح بإقامة العزاء على الحسين في الشام بعد وصول النساء والسبايا !

وهذا الكلام كله علف للاستهلاك اليومي يلقى لمن يأكل !! وحقيقة الأمر هو أن يزيد الذي عبر عنه الحسين﵇ بأنه (وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد) كان منذ اليوم الأول قد عقد العزم على إنهاء وجود الامام الحسين لو لم يبايع.