أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

وعبيد الله بن زياد وإن كان شخصا فاتكا لا يعرف للدين وأهله إلاّ ولا ذمة، ولذا اختاره يزيد لهذه المهمة وجمع له الكوفة إضافة إلى البصرة، إلا أنه لم يكن سوى آلة،وأداة تنفذ ما يطلب منها، بل إنه لو تأخر عن تلك المهمة لما حصل إلا على العقوبة204 وكان قد خُير من يزيد بين موته وموت الحسين﵇. ولما أنجز تلك المهمة استحق التكريم والثناء والشكر205. لا مجرد الرضا عما قام به.

وأما شذرات الكلام المتناثرة التي سجلها التاريخ من يزيد والتي كانت تنسجم تماما مع طريقة حياته وأعماله قوله وقد جلس على منظر مشرف من قصره، فجاء في تلك الفترة ركب السبايا فقال:

لما بدت تلك الحمول وأشرقــت

تلك الشموس على ربى جيرون

نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح

رفعت فجاوزت السماء وفوقه

فما لك إلا مرتقى الشمس مقعد

اسقني شربة تروي مشاشــي

ثم مل فاسق مثلها ابن زيــاد

صاحب السر والأمانة عنـدي

ولتسديد مغنمي وجهادي

فلقد قضيت من النبي ديوني206

وتمثله بأبيات بن الزبعرى:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فـرحـا

ثم قالوا يا يزيد لا تشــل

لعبت هاشم بالملك فـلا

خبر جاء ولا وحي نزل207

لكنه لما تغير الرأي العام، واستعظم جريمة الأمويين في حق الحسين﵇ وأهل بيته، وبدأت بوادر النقمة تظهر للعلن، آنئذ بدأ يتنصل يزيد من المسؤولية ويلقي بها على ابن زياد وإلا فإنه كما يقول الطبري (لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين وأصحابه وأرسل برؤوسهم إلى يزيد سر بقتلهم وحسنت منزلة ابن زياد عنده.. ثم لم يلبث إلا قليلا حتى أظهر الندم..). وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء (فسر بقتلهم أولا ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس وحق لهم أن يبغضوه).

�س: لماذا لم نجد عددا من الصحابة المخلصين مع الحسين مثل: جابر بن عبد الله و محمد بن الحنفية، عبد الله ابن جعفر، ابن عباس، وغيرهم؟

الجواب: إذا كان المقصود أن يستدل على عدم صوابية خروج الحسين﵇ وثورته بعدم خروج أولئك الصحابة معه، فهذا يذكرنا بحوار أبان بن تغلب مع بعضهم، فعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كنا في مجلس أبان بن تغلب فجاء شاب فقال: يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب﵇ من أصحاب النبي﵌ ! فقال له أبان: كأنك تريد أن تعرف فضل علي ﵇ بمن تبعه من أصحاب رسول الله صلى عليه وآله ! فقال الرجل: هو ذاك، فقال أبان: والله ما عرفنا فضلهم إلا باتباعهم إياه.208

وأما بالنسبة إلى الحادثة التاريخية:

فالذي يظهر أن الامام الحسين﵇ لم يدع إلى الخروج معه من أول الأمر في المدينة، وإنما دعى أهل بيته، وبعض بني هاشم، وكانوا خارجين في وجهة أمرهم تلك إلى المدينة، ولذا فإن عددا كبيرا من الناس لم يدعهم الحسين﵇ إلى نصرته، مع إلتقائه بهم ورؤيتهم له خارجا من المدينة. خصوصا أن خروج الامام﵇ من المدينة كان أمراً سريعاً، فبعد أن حصلت المواجهة الكلامية ليلا في قصر الامارة عند الوليد بن عتبة بين الامام الحسين وبين مروان بن الحكم، وأعلن الامام موقفه الصريح، لم يلبث إلا إلى نهار اليوم التالي حتى كان في طريق الخروج من المدينة إلى مكة، وهذا بلا شك لم يكن ليتيح له فرصة كافية للدعوة إلى النصرة بنحو عام209.