وكان هذا (السلام) الذي واجه به الحسين﵇، جيش الحر الرياحي قد أفسح الطريق نحو (رد السلام) المناسب، فكان أن استمع الحر إلى خطاب الحسين وسمح لأصحابه بالاستماع إليه، ثم صلى خلف الحسين جماعة لذلك وأمثاله كان الحر ميّالا إلى حل المشكلة وعدم التورط بالمواجهة مع الامام، ولذلك نقل أنه قال له: «فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة لتكون بيني وبينك نَصفًا حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئت فلعل الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك».
ولم يكن الحسين يسير إلا بسيرة جده المصطفى الذي ما دعي إلى أمرين أحدهما فيه الرفق إلا اختاره ولم يكن ممن الذين يعبدون العناد والتصلب.
فالإمام الحسين -كما قلنا- وأهل البيت﵈، لم يكن -كبعض الناس- ممن يعبدون العناد، وإنما كان يرى ما فيه رضا الله سبحانه وتعالى وما فيه رفق بمن هو معهم، لذلك سأل من معه إن كان أحد منهم يعرف الطريق على غير الجادة.
إلا أن ذلك لم يكن يعني أن يسلم الإمام الحسين﵇ يده بيد قائد الجند الأموي حينها -بدعوى محبته للسلام وكراهته للحرب- وإنما خطب الحسين﵇ بعد أن صلى بالجميع، وأخبرهم أنه تمت مراسلته من أهل الكوفة (وبالطبع هذا أبلغ في الاحتجاج من أن يقول إني أعارض يزيد بن معاوية فقط، وإنما لا بد من الحديث عن أن هناك طلباً شعبياً عاماً لمجيء الإمام الحسين وشاهد ذلك هو الكتب الكثيرة التي عرضت في ذلك الموقع، ولهذا قال الحر الرياحي: «فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله ابن زياد فقال له الحسين الموت أدنى إليك من ذلك». 252
ولما وصلوا إلى عذيب الهجانات « فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه وهو يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري
وشمري قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر
حتى تحلى بكريم النجر
الماجد الحر رحيب الصدر
أتى به الله لخير أمر
وحين أراد الحر أن يمنع التحاقهم بالحسين﵇، بزعم إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك وأنا حابسهم أو رادهم، فقال له الحسين: لأمنعنّهم مما أمنع منه نفسي إنما هؤلاء أنصاري وأعواني وقد كنت أعطيتني ألا تعرض لي بشيء حتى يأتيك كتاب من ابن زياد، فقال: أجل لكن لم يأتوا معك قال هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معي فان تممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك قال فكف عنهم الحر».253
وقد عرض الطرماح بن عدي الطائي على الإمام الحسين﵇ أن يغير خطته وأن يذهب معه إلى جبال طي، وكان من الطبيعي أن يرفض الإمام ذلك العرض، وحيث أنه كان يأخذ ميرة لأهله فقد رأى نفسه ملزماً بإيصالها إلى تلك الأحياء، ونتج عن ذلك أنه لم يدرك عاشوراء ولم يحظ بشرف الشهادة مع الإمام الحسين مع أنه كما قيل رجع من فوره لكن كان الفرصة قد ضاعت كما هي الكثير من الفرص التي تضيع من الإنسان.254
الهوامش
- 239. هناك كلام في الرواية التي نقلت عن النبي﵌ من أنّ عقيلا لم يبق لنا منزلا في مكة وهل أنها تصح أو لا.. ولتحقيقها مجال آخر.
- 240. يعتمد العدد على تاريخ دخول مكة والمشهور أنه 4 شعبان/60 هـ، وعلى تاريخ الخروج منها، وفيه أقوال ستأتي والمشهور أنه كان في يوم 8/12 /60هـ.
- 241. الطبري 4/266 ونحن نشك في أن يكون الإمام الحسين﵇ قد استعمل الصلاة البتراء على النبي بدون الآل كما أوردها الخبر. فإن مقام الحديث لا يتناسب مع الصلاة البتراء.. كيف وهو يبين فضل أهل البيت وموقعهم من النبي؟
- 242. ابن الجوزي؛ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/325: -لما وصل مسلم بن عقيل- قام رجل ممن يهوى يزيد، إلى النعمان بن بشير، فقالَ له: إنك ضعيف، قد فسد البلد. فقالَ له النعمان: أكون ضعيفا في طاعة الله أحب إليّ من أن أكون قويا فِي معصية الله.
- 243. الطبري 4/263.
- 244. وقد استجاب ثلثا تلك القبيلة بحسب ما تكلم به رؤساؤهم، على الرغم من أن (تميما) كانت تصنف على موالاة القرشيين دون العلويين!.
- 245. العاملي، جعفر مرتضى: الصحيح من سيرة النبي الأعظم 31/137، نقله عن شرح النهج 4/104لابن أبي الحديد: سمعت علي بن الحسين﵉ يقول: «ما بمكّة والمدينة عشرون رجلاً يحبّنا»..
- 246. ننقل كنموذج على تلك الكتب ما ذكره ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4/21 بقوله: «واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فذكروا مسير الحسين إلى مكّة وكتبوا إليه عن نفر، منهم: سليمان بن صرد الخزاعيّ، والمسيّب بن نجبة، ورفاعة بن شدّاد، وحبيب بن مظهّر وغيرهم:بسم اللَّه الرحمن الرحيم، سلام عليك، فإنّنا نحمد إليك اللَّه الّذي لا إله إلّا هو، أمّا بعد فالحمد للَّه الّذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الّذي انتزى على هذه الأمة فابتزّها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضى منها ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها، وإنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ اللَّه أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء اللَّه تعالى، والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته. وسيّروا الكتاب مع عبد اللَّه بن سبع الهمدانيّ وعبد اللَّه بن وال، ثمّ كتبوا إليه كتابا آخر وسيّروه بعد ليلتين، فكتب الناس معه نحوا من مائة وخمسين صحيفة ثمّ أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثّونه على المسير إليهم، ثمّ كتب إليه شبث بن ربعيّ وحجّار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجّاج الزبيديّ ومحمد ابن عمير التميميّ بذلك».
- 247. لعل الاختلاف راجع إلى أن قسما من الكتب وهو الأكثر كان جماعيا أن يكتبه أحدهم لكن يوقع فيه عشرات من الناس، فتارة يتم حساب العدد باعتبار عدد الموقعين وأخرى باعتبار عدد الكتب نفسها!
- 248. كما سيتم ذكره في بحث منطلقات النهضة الحسينية..
- 249. ربما يتم التعرض إليها عند الحديث عن شهداء النهضة الحسينية عن مسلم بن عقيل..
- 250. ذكر المؤرخ الطبري 4/264 أن مسلما بن عقيل بعدما استأجر دليلين من قيس أقبلا به فضَلّا الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد وقال الدليلان هذا الطريق حتى ينتهى إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشا فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت أما بعد فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي فجارا عن الطريق وضلا واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فان رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري والسلام فكتب إليه حسين أما بعد فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إليَّ في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له والسلام عليك فقال مسلم لمن قرأ الكتاب هذا ما لست أتخوفه على نفسي فأقبل كما هو حتى مر بماء لطيء نزل بهم ثم ارتحل منه فإذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه فقال مسلم يقتل عدونا إن شاء الله.. وقد ناقش غير واحد هذه الرواية وردوها من نواح متعددة: منها أنها لا تنسجم مع ما عرف من شجاعة مسلم فكيف يتهمه الحسين بحسب الرواية بالجبن، ثم إن الحسين لتوه قد أعرب في رسالته لأهل الكوفة أن مسلما هو ثقته! ولا يعقل أن يرسل لهذه المهمة الحساسة من يكون جبانا.. فما عدا مما بدا؟ على أنها لا تتفق مع الفترة المفترضة من خروج مسلم من مكة ووصوله إلى الكوفة مع فرض أن يكون الدليلان قد ماتا.. وأن مسلما وقيسا قد ضلا الطريق، فكيف تيسر لهما أن يرسلا للحسين رسالة وينتظرا جوابها ويأتي الجواب بلزوم المواصلة؟ فمن الذي أوصل الرسالتين؟ وكم استغرق من الوقت لأجل ذلك؟
- 251. تاريخ الطبري 4/281.
- 252. ذكر الكرباسي في الأطلس الحسيني أن منطقة الحاجر تبعد عن مكة نحو من 584 كيلو مترا، وأن الحسين وصلها يوم 12/ذي الحجة /60هـ.
- 253. الطبري 4/298.
- 254. مع الركب الحسيني 2/٤٥.