ومنها ما جاء في متن الخبر فإن عليه في عباراته ما يمكن التوقف فيه، مثل أن الراية كانت بيد عبد الله بن جعفر بن عقيل، فهذا لا تؤكده المصادر التي ذكرت تقسيم الإمام الحسين﵇ راياته، فلم تذكره في جملة من أعطي الرايات، بل المعروف أن العباس هو صاحب الراية فلا معنى لأن يأخذ زهير الراية (استعارة) من عبد الله بن جعفر ليعطيها للعباس.
ومنها ما جاء في أن العباس لما سمع ذلك من زهير (تمطى في الركاب حتى قطعه).
أقول: إن هذه الملاحظات وأمثالها قد لا تساعد الاعتماد على مثل الخبر المذكور لإثبات صلة زهير بالبيت العلوي.
خبر شهادة مسلم بن عقيل
وفي هذه المنطقة (زرود) أيضاً وصل إلى الإمام الحسين﵇ خبر شهادة ابن عمه وسفيره إلى الكوفة مسلم بن عقيل، وينقله الطبري عن رجلين أسديين لحقا بالإمام﵇ بعد حجه، ووصلا إليه في زرود فرأيا رجلا كوفيا انحاز عن الطريق، فسأله أحدهما عن خبر الكوفة، فقال: إنه ما خرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وأنه رآهما يجران بأرجلهما في السوق، فجاء هذان بالخبر إلى الإمام وأرادا أن يخبراه منفرداً، فقال: ما دون هؤلاء الاصحاب من سر، فلما أخبراه استرجع وترحم عليهما و حاولا في الإمام أن يرجع إبقاء على نفسه وأهل بيته وأنه ليس له ناصر في الكوفة، فوثب أبناء عقيل وقالوا: لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا، فقال الحسين: لا خير في العيش بعد هؤلاء249.
وفي تعليقنا على هذا الخبر الذي طريقة صياغته تريد أن توحي وكأن الحسين ﵇ كان مندفعًا في حركته حتى إذا وصله خبر مسلم بن عقيل وشهادته عزم على تغيير فكرته تلك، لكن أبناء عقيل صمموا على مواصلة المشوار فانصاع الحسين لهم، نقول:
إنه سبق القول منا أن طريقة إجابات الإمام الحسين﵇ تختلف بحسب المواقف المختلفة وبحسب الأشخاص أيضاً وهذا من الحكمة، فإن ما يجاب به المجاهد الفدائي والنصير المخلص عندما يسأله يختلف عن إجابة المتفرج (مثل هذين الأسديين اللذين لم يكلفا نفسيهما أكثر من استطلاع خبر الكوفة) ويختلف عن الحديث مع العدو، ولهذا فلا نرى أن ترتيب أمر الاستمرار في المسيرة على وثوب أبناء عقيل وعدم تنازلهم عن ثأرهم لا نراه صحيحاً، ذلك أن الإمام﵇ قد حدد أهدافه ومنطلقاته من الأيام الأولى التي خرج فيها من المدينة وأكدها في مكة المكرمة وفي الطريق، فلا يصح أن تتغير بين عشية وضحاها لأجل غضبة ثأرية، ثم متى كان آل عقيل يعينون للحسين مساره وتوجهاته حتى تكون هذه إحداها؟ إنما هم أعوان وأنصار يأتمرون بأمره ويسيرون وفق توجيهه.