مع الحسين من مكة إلى كربلاء

في مواصلة الإمام الحسين﵇ لمسيره، كان قد وجه عبد الله بن يقطر إلى الكوفة برسالة جوابية لمسلم بن عقيل، وكانت المفارز العسكرية الأموية المنتشرة في تلك المنطقة بقيادة الحصين بن نمير التميمي قد اعتقلت عبد الله هذا في القادسية، فأخذ مخفوراً إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة، فلما التقاه قال له ابن زياد: اصعد فوق القصر فالعن (الكذاب بن الكذاب) يقصد بذلك الحسين﵇ حتى أرى رأيي فيك، وكان عبد الله أذكى من ابن زياد، فصعد أعلى القصر، فلما أشرف على الناس قال: أيها الناس إني رسول الحسين بن فاطمة بن بنت رسول الله﵌ لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي، فأمر به عبيد الله فأُلقي من فوق القصر إلى الأرض فكسرت عظامه.

وفي منطقة زبالة، نعى الحسين﵇ الشهداء الثلاثة قائلاً: «إنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وقد خذلتنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام»250 وكان الإمام﵇ يصفي من تبعه من النخالة والشوائب الذين تبعوه للدنيا، والطريف في الأمر أن بعض هؤلاء كان (ينصح) الحسين بأنه إنما يقدم على الأسنة وحد السيوف فالأفضل له أن يوصي الناس بأن يكفوا الحسين مؤونة القتال ويوطئوا له الأمور، حتى يأتي هو وأقواس النصر تنتظره، ولم يعلم أن الحسين﵇ لم يكن همه في غير الانكار على المنكر وإقامة المعروف حتى لو أدى ذلك إلى مقتله، لذلك لم يناقشه الإمام﵇ لأنه كان يرى أن مستوى تعقله لنهضة الحسين لا يسمح له بأن يفهم ماذا يريده الامام، فاكتفى بالقول له: إنه ليس يخفي عليّ الرأي ولكن الله لا يغلب على أمره.

حين تزود بالماء ليسقي أعداءه:

وفي زبالة حيث جاءه خبر عبد الله بن يقطر، تزود بالماء ليسجل أعظم صورة في الأخلاقية الدينية والإنسانية عندما يسقي أعداءه الماء وخيولهم، ليذكر البشر بعلو المناقب الحسينية.

فإذا كانت سيرة أعدائهم أن يمنعوا عنهم الماء حتى يموتوا عطشًا، فإن مناقب آل محمد تأبى عليهم هذا السلوك مهما كان أعداؤهم سيئين، فليس العداء معهم شخصياً ولا أن المسألة مسألة أحقاد وانتقام، وإنما فرق بينهم الدين والأحكام الشرعية، وهم ملتزمون بها هدفا وأسلوباً. فقد أرسل ابن زياد والي الأمويين الجديد على الكوفة جيشاً من ألف مقاتل لمحاصرة الحسين﵇ واعتقاله قبل وصوله إليها وحيث جاء هذا الجيش منهكاً وعطشاناً، اقترح بعض المرافقين على الإمام أن يواجههم فوراً، ويشتت قوتهم، مستعيناً في ذلك عليهم بالعطش والتعب من مشوار الطريق، إلا أن الإمام الحسين﵇ -كسيرة آبائه- لا يفعل إلا ما يليق بإمامته؛ فكان أن أمر أصحابه بسقي الجنود الأمويين وأن يرشوا على خيولهم شيئا من الماء لتبريد أجسامها251.

ويحق لنا أن نخاطب الإمام الحسين﵇ بما قاله الشاعر:

سقيت عداك الماء منك تحننا

بأرض فلاة حيث لا يوجد الماء

فكيف إذا تلقى محبيك في غد

عطاشى من الأجداث في دهشة جاؤوا

ولا ريب أن مثل هذه المواقف بالإضافة إلى أنها تخلد في الزمان وتعبر الدهور، فإنها تؤثر بشكل أو بآخر فيمن يشاهدها، ولعل الحر بن يزيد الرياحي وهو قائد الجيش الأموي، الذي انتهى به المطاف لأن يكون من شهداء النهضة الحسينية حين انتقل يوم العاشر إلى صف الحسين﵇، كانت بداية اليقظة عنده من هذا الموقف ثم ما تلاه من مواقف وخطب حسينية.