1. هناك رأي يذهب إلى أن الفرزدق لم يكن شيعياً بحسب التصنيف، وذلك أنه لم يعرف له موقف مهم في تاريخه الذي امتد حدود 73 سنة، لأن ولادته كانت في 37 ووفاته كانت 110هـ سوى قصيدته في مدح الإمام زين العابدين﵇، وهي يتيمته من بين مئات القصائد التي افتخر فيها بأسرته ووالده ونفسه، وفيما عدا هذه القصيدة لا نجد موقفا «شيعياً» يستحق أن يذكر عنه، وأصحاب هذا الرأي يجدون أن موقفه من الإمام الحسين﵇ في عدم المناصرة أو حتى الوعد بالمناصرة بل حتى بمقدار تعريف نفسه، يجدون هذا الموقف طبيعياً إذ لم يتوقع منه غيره.
2. الرأي الآخر: يرى أنه رجل من شيعة أهل البيت﵈، ولذلك فقد مدح الإمام علي بن الحسين زين العابدين أمام هشام بن عبد الملك الذي كان ولي العهد في ذلك الوقت، وأن الإمام السجاد أرسل إليه مبالغ مالية، فأراد أن يردها، لكن الإمام قال له: «بِحَقِّي عليكَ إِلَّا قَبِلْتَهَا فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَرَّفَنِي نِيَّتَكَ وَمَكَانَكَ» فإن مثل هذا الكلام لا يقال في حق أي شخص، هذا بالإضافة إلى أن الناظر في قصيدته يجد فيها من المعاني العقائدية العالية والحماس الديني شيئا كثيرا، ولا يصدر مثل ذلك إلا عمن يكون من شيعتهم الخلص.
3. والرأي الثالث، ولعله الأوفق: أن الفرزدق لم يكن شاعرًا، على مستوى دعبل الخزاعي والكميت ممن كان الشعر جزءا من جهادهم ومواقفهم، وسلاحا يدافعون به عن عقيدتهم، ومنبر تبليغ لأفكارهم الدينية، ولا يهمهم بعد ذلك أن كان الشعر طريقهم إلى الشهادة كما نقل عن دعبل الخزاعي في قوله: «إِنِّي أَحْمِلُ خَشَبَتِي عَلَى ظَهْرِي 40 سَنَةً، لَا أَجِدُ مَنْ يَصْلِبُنِي عَلَيهَا»، يعني كلمتي هي موقفي، وأتحمل مسؤوليتها.
وربما نقل بعضهم أن الإمام عليا﵇ نصح أباه وقد وفد معه على الإمام أن يلزمه بحفظ القرآن حتى يكون شاعراً مهما، إلا أنه هذا لا يصح إذا صح ما قيل من ولادته سنة 37 هـ. فإن الإمام أمير المؤمنين قد استشهد في سنة 40، وهذا يعني أن عمره ذلك الوقت ثلاث سنوات، فكيف يقول أبوه: أن ابني لشاعر.
فنحن نعتقد بالرأي الثالث، هو شاعر كان له موقف نفسي وقلبي مناصر لأهل البيت، وحدود نصرته اللسانية كانت -فيما نعلم- بالقصيدة المشهورة وأما نصرته العملية فلا نجد من ذلك أثراً واضحاً.
محطة زرود ولقاء ابن القين
فيما تجاوز الإمام﵇ الصفاح مواصلا مسيرته وصل إلى زرود.243وينقل التاريخ فيها حدثين مهمين: لقاء الإمام الحسين﵇ بزهير بن القين، ووصول خبر شهادة مسلم بن عقيل.
وفيما يرتبط بموضوع زهير بن القين، فمن الواضح أن دوره بعد التحاقه بالإمام الحسين كان متميزاً، إذ يعد في الطبقة الأولى من الأصحاب غير الهاشميين، وقد يثار كلام حوله من أنه كان عثماني الهوى قبل ذلك أو لا؟
لا بد أن نشير إلى أن تعبير «عثماني الهوى» عندما يطلق على أحد، فإنه يعني «أموي الهوى» ولكن بتعبير مخفف يقال «عثماني الهوى» إذ لا يوجد لعثمان خط ممتد ومستمر، وإنما هو الخط الأموي الذي كان مسيطراً حتى أيام الخليفة عثمان، حتى الجاحظ لما أراد أن يكتب في الافتخار بما هو ضد العلويين، ذكر في مدح العثماني بما يشمل بني أمية.