على أنه يقال ايضا أن هذا المال قد صرف في مصالح المسلمين العامة، وفي إنقاذ بعض المسلمين من الأسر في يد الكافرين، فإن المؤرخين يذكرون: أنه في يوم عاشوراء قد أُخبر بشر الحضرمي وهو أحد أصحاب الحسين أن ابنه عَمراً قد أسر في ثغر الري في اشتباكات مع الديالمة فقال الإمام الحسين لأبيه بشر خذ هذا واسعَ في فداء ابنك وأعطاه حللاً بما يعادل ألف دينار ولما رفض مفارقة الإمام﵇ أخبره أن يعطيها لابنه الآخر لكي يستنقذ بها أخاه.
فبناء على ما سبق؛ لو صحت الرواية فلا مشكلة، لأن الإمام﵇ هو الأولى بها بل الوالي عليها دون يزيد، وكان مصرفها في إنقاذ أسير من أسرى المسلمين، بينما لو ذهبت ليزيد لصرفت بين أرجل الجواري وأيدي الساقين للخمر.
وبعد أن تجاوز الإمام﵇ التنعيم، وصل إلى «الصفاح» وفيها التقى بالفرزدق بن غالب،242 وحسبما أخبر الفرزدق نفسه فقد قال: كنت قادماً من البصرة إلى الحج مع أمي، فرأينا ركب الحسين بن علي، فجئت إليه، فسألني من الرجل؟ قلت له: «أَنَا مِنَ العَرَبِ»، يقول: «فَلَا وَاللهِ، مَا فَتَّشَنِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك». أي لم يسألني غير هذا عن شخصيتي.
وفي هذا تعليم تربوي، خلافا لما يصنعه البعض فإنه حين يلتقي شخصاً في مكان ما لمدة خمس دقائق، تجده يتطلع إلى أن يستكشفه بالكامل، ويعرف أهله ومواقفه السياسية، وتقليده المرجعي، وما يريد وما لا يريد، بل يرتب على ذلك آثارًا، في أنه هل يقاطعه بعدما عرف عنه ما عرف أو أن يتعامل معه بشكل عادي؟
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ
هذا ابن خير عبادِ اللّه كلّهم
هذا التقيُّ النقيّ الطاهر العلم
إذا رأته قريشٌ قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ
هذا ابن فاطمة إن كنتَ جاهله
بجدّه أنبياءُ اللّه قد ختموا
إن الإمام﵇ يعلمنا هذا خصوصاً في الأزمنة التي تكون فيها القضايا المختلفة منشأ لاختلاف الآراء وقد يكون الاختلاف حاداً إلى درجة الاعتداء عند بعضهم لو علموا بأن الذي يقابلهم يحمل الأفكار المعينة، ثم سأله الإمام﵇ كيف تركت الناس؟ قال: قلوبهم معك وسيوفهم عليك، ثم فارق الفرزدق الإمام﵇ متجهاً إلى الحج كما قيل.
الفرزدق ومواقفه
ويثير هذا الموقف من الفرزدق السؤال، في أنه هل كان مستوى علاقة الفرزدق بالإمام﵇ هو بهذا المقدار أن يتبادل معه كلامًا عابرًا ثم يمضي كل منهما في سبيله؟ فلا الإمام يدعوه إلى الالتحاق به لا سيما وهو خارج من مكة، ولا الفرزدق الذي لم يستفصل من الإمام عما يريد من السؤال عن الناس خلفه؟ هذا إن لم يكن قد علم بأن الإمام خارج للعراق ضمن نهضته ضد الحكم الأموي فإن السؤال يزداد الحاحاً؟ وكيف يوصف موقفه في هذه الحال؟ بل كيف أخفى الفرزدق شخصه عن الإمام الحسين﵇ فلو اعتذر الفرزدق عن الالتحاق به ـ من جهة أن أمه معه في الحج ـ لما كان معاتباً في ذلك؟ فلنفترض أنه لم يشأ أن يذكر ذلك، أفهل يناسب أن يخفي شخصه وشخصيته عن الإمام﵇؟
نقول: إن الآراء في الفرزدق الشاعر والذي كان في ذلك الوقت في حدود الثالثة والعشرين من العمر، بناء على أن ولادته كانت سنة 37 هـ، على أنحاء: