ومن الحاضرين في ذلك المجلس كان زيد بن أرقم، الذي وقف موقفاً نبيلاً في المواجهة مع كبر سنه، فإنه لما رأى رأس الحسين موضوعاً بين يدي ابن زياد وهو ينكت بقضيب (عود) بين ثنيتيه366ساعة فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له: أعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول﵌ على هاتين الشفتين يقبلهما ثم انفضخ الشيخ يبكي! فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك فو الله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك. قال: فنهض فخرج فلما خرج يقول الراوي: سمعت الناس يقولون والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله، قال فقلت: ما قال؟ قالوا: مرّ بنا وهو يقول ملك عبدٌ عبُدا فاتخذهم تلُدا أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل فبعداً لمن رضي بالذلّ367.
وأمر ابن زياد بإخراج النساء وانزالهن في دار قريبة من قصر الامارة، وقد تكون إحدى غرف السجون المعدة لمثل هذه القضايا، وذلك أن الذي تولى أمره كان مري بن معاذ الأحمري وهو يصنف على ما نسميه اليوم بالشرطة العسكرية.
ثم دعا للصلاة جامعة حيث صار قرب وقت الظهر، وجرى ما سبق الحديث عنه من المواجهة القوية مع الشهيد عبد الله بن عفيف الأزدي.
الهوامش
- 354. راجع المصدر السابق.
- 355. جاء معنى صهيل الجواد فيما أوحى الله به إلى موسى من خبر مقتل الإمام الحسين. بحار الأنوار 44: 308، كما جاء في إخباريات أمير المؤمنين في صفين عن شهادة ولده الحسين. بحار الأنوار 44: 266.
- 356. النصاريات الكبرى: 24.
- 357. النصاريات الكبرى: 2728.
- 358. ويقسم العلماء المشيئة -كالإرادة- إلى قسمين: تشريعية وتكوينية، وبينما الثانية لا تتخلف بل هي حتمية، يمكن للأولى أن تتخلف، وهي مثل ما نقل عنه أيضا شاء الله أن يراني قتيلا.. ومثلما أنه في الإرادة هناك إرادة تكوينية فكذلك التشريعية مثل قوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، ومثل (ولكن يريد ليطهركم).. فهنا كذلك بمعنى أنه كلف الإمام﵇ بالأمر بالمعروف واختار الإمام القيام بذلك فينتهي الأمر إلى أن يكون قتيلا في سبيل الله وهكذا قضى الله سبحانه أن يواصلن مسيرة الحسين﵇، وتبليغهن رسالته فيكنّ سبايا.
- 359. بعد أن نقل ابن الأثير في الكامل 4/84 أن ابن زياد سير السبايا -بعد أن عرضهم في الكوفة- إلى الشام، قال، وقيل.. إنّ آل الحسين لما وصلوا إلى الكوفة حبسهم ابن زياد وأرسل إلى يزيد بالخبر، فبينما هم في الحبس إذ سقط عليهم حجر فيه كتاب مربوط وفيه: إنّ البريد سار بأمركم إلى يزيد فيصل يوم كذا ويعود يوم كذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان. فلمّا كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقي وفيه كتاب يقول فيه: أوصوا واعهدوا.. ولم ينسبه ابن الأثير لمصدر، وصياغة الخبر لا تجعل المتأمل يطمئن إليه.
- 360. مع الركب الحسيني ٥/١٨٧.
- 361. ترجم بهذا النحو: أبُو الريحان مُحَمَّد بن أحْمد البيروني مَنسُوب إلى بيرون وهِي مَدِينَة فِي السَّنَد كانَ مشتغلا بالعلوم الحكمِيَّة فاضلا فِي علم الهَيْئَة والنجوم وله نظر جيد فِي صناعَة الطِّبّ وكانَ معاصر الشَّيْخ الرئيس ابن سينا وبَينهما محادثات ومراسلات أقام البيروني بخوارزم، له كتب كثيرة في الطب والصيدلة والهيئة والتنجيم والجغرافيا والتقاويم ومن كتبه المهمة: كتاب الآثار الباقِيَة عَن القُرُون الخالية. وتُوفِّي سنة 440هـ.
- 362. البيروني، ابو ريحان: الآثار الباقية عن القرون الخالية 422.
- 363. مصباح الكفعمي: 510. ومؤلف الكتاب هو الشيخ إبراهيم بن علي العاملي الكفعمي (توفي حوالي 905هـ) واسم الكتاب جُنة الأمان الواقية وجَنة الإيمان الباقية، ألّف كتباً ورسائل علمية كثيرة في العرفان، والسير والسلوك، والأدب، والشعر، والتاريخ، والأدعية والزيارة.
- 364. الشيخ محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي (توفي 1030هـ) يعرف بالشيخ البهائي وبهاء الدين العاملي وهو فقيه، ومحدث، وحكيم، ورياضي وصاحب فنون متنوعة من العلم، انتج من خلالها أكثر من خمسين مؤلفا، وتولى مشيخة الإسلام في زمن الشاه عباس الصفوي، للاطلاع على أدواره وتميزه ننصح بالرجوع لكتابنا: من أعلام الإمامية.
- 365. العاملي؛ بهاء الدين: توضيح المقاصد 4 (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات).
- 366. تقويم المحسنين /للفيض الكاشاني: 15.
- 367. نفس المهموم: 429 وانظر: مقتل الحسين﵇ /للمقرّم: 348.