كان من الطبيعي أن ينقسم الناس في مواقفهم إلى أقسام؛ متعاطف، وحزين على ما حصل، وآخر متشمت ممن كان من أنصار الأمويين وثالث وهو غير عابئ كثيراً وهو ما نجده في كل المجتمعات فلا تستوقفه المسألة إلا بمقدار ما ترتبط بحياته اليومية من تأثيرها فيها فائدة أو مضرة.
من القسم الأول وجدنا مظاهر من التعاطف النفسي والمساعدة بما يمكن، فإن بعض النساء الكوفيات عندما سألن: من أي الأسارى أنتن؟ قالت سكينة: نحن أسارى آل محمد، فلما سمعت النسوة بذلك، استعبرن وبكين، ورفضن هذا الأمر، وذهبن وجمعن أزراً ومقانع، من بيوتهن وجيرانهن حتى تستتر النساء الأسيرات.
ومن ذلك ما نقل أيضاً من أن بعض النساء الكوفيات لما رأين في الركب أطفالاً ويتامى، أقبلن عليهن يناولنهن الجوز والتمر والخبز، فأخبرت الأطفال أن لا يأكلوا من ذلك فإن الصدقة محرمة على آل محمد.362
يا هلالا لمّا استتم كمالا
غاله خسفه فأبدى غروبا
ما توهّمت يا شقيق فؤادي
كان هذا مقدّرا مكتوبا
بعد العرض العام... الأسارى في مجلس ابن زياد
نفترض أنه وبعد أن تم العرض على الناس استقدم ركب الأسارى إلى قصر ابن زياد، حيث جمع قادته العسكريين والمستشارين السياسيين، ضمن احساس بنشوة النصر ولكي يظهر ما في نفسه أخذ يتهكم عليهن، موجهاً كلامه أولاً إلى زينب بنت علي﵉ وقد تنحت ناحية وهي متنكرة حتى لا تعرف. فقال: من هذه المتنكرة؟ فقالوا له: هذه زينب بنت علي بن أبي طالب. فقال لها: الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب أحدوثتكم.
ينبغي أن نلاحظ هنا عقيدة الجبر التي كان يبشر بها الأمويون باستمرار وهي على خط التنافي مع (العدل الالهي) الذي يراه أهل البيت﵈، وكيف رتب الأمويون نتائج سيئة واستفادوا من تلك العقيدة الخاطئة بل وأبقوها في الأمة -في الفكر المسلم المتأثر بهم- فهو هنا يرى أن (الله تعالى) هو الذي قتل الحسين وفضحه، وفي موضع آخر سيقول إن الله هو نفسه قتل عليّاً بن الحسين وهكذا! لا أن الذي نفذ الجريمة هو ابن زياد وابن سعد وجنودهم.
وينقل ابن أعثم في كتابه (الفتوح) حواراً شبه مفصل بهذا النحو وهو يختلف بعض الشيء عما في الطبري (هذه زينب بنت علي رضي الله عنه، فقال ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد﵌ وطهرنا في كتابه تطهيرا، وإنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر، فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت زينب رضي الله عنها: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء القوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم يا ابن زياد، فتحاجون وتخاصمون، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة! قال: فغضب ابن زياد من ذلك، فقال له عمرو بن حريث المخزومي: أصلح الله الأمير إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، فقال ابن زياد: لقد أشفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك، فقالت زينب: لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت، فقال ابن زياد: هذه شجاعة لا حرج، لعمري لقد كان أبوك شاعراً شجاعاً363، فقالت زينب رضي الله عنها: يا ابن زياد وما للمرأة والشجاعة؟)364