قافلة السبايا في الكوفة بعد كربلاء

ففي خطبة السيدة زينب﵍ -وهي العارفة بشؤون الكلام والدقيقة في استعماله- قالت: (أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن يستشرفهن أهل المناهل والمناقل...)356. ولعلنا نلاحظ أن العقيلة زينب حين أكدت على هذه اللفظة من جهة وشرحتها بالتفصيل بجمل بعدها لكي يتبين حدود ذلك السبي: (هتكت ستورهن وأبديت وجوههن..الخ) لكنها في موضع آخر عندما اراد شامي أخذ فاطمة بنت الحسين (أو بنت علي) للخدمة والامتهان رفضت بقوة وقالت: ما ذلك لك، وعندما رد عليها يزيد بأنه لو شاء لفعل، قالت: لا، إلا أن تدين بغير ديننا357.

وهذه الأسطر الأخيرة توضح جواب القضية الثانية، فإنه﵇ لم يقصد أنه لن تتعرض النساء لأي نوع من الأذى فإن هذا لا يحصل حتى والإنسان في بيته، فكيف إذا كان قد جاء إلى معركة وسيصطلي نارها وآثارها، فمن الطبيعي أنهن عندما يسبين سيتعرضن إلى ما ذكرته العقيلة في خطبتها وشرحته، لكن دون الحدود التي ذكرناها من كلامها مع يزيد والشامي.

كانت هذه مقدمة كي لا يعترض على ما قد يرد من تعبير ركب السبايا أو ما شابهه.

نرجع القول إلى رصد مواقف في المجتمع الكوفي، وسيواجهنا نوع من الغموض في تشكيل صورة عامة عنه، لكن لا يمنع ذلك من اقتناص صور متفرقة قد تشكل بمجموعها صورة مناسبة.

فأول ما نلحظ هو وجود ردود فعل فردية عائلية؟ قامت بها نساء مقاتلين في الجيش الأموي تنكرن لفعل أزواجهن.. وهذا هو الموقف الطبيعي الذي لا يحتاج إلى بيئة خاصة ولا ترتيب اجتماع ولا غيره، وإنما عندما استخبرت هذه النساء فإن قسماً منهن اعترضن ورفضن فعل أزواجهن بل قررن الانفصال عنهم منذ تلك اللحظة، ورأين أن الحياة معهم لا تطاق، وقد أشرنا في صفحة سبقت إلى موقف النوار الحضرمية من زوجها خِولّى بن يزيد الذي جاء برأس الحسين لمنزلها، بالطبع لم يكن هذا حالة عامة فقد نجد نساء سلبيات في موقفهن وكأنه لا يعنيهن الأمر من قريب ولا من بعيد بل ربما كانت زوجتان لشخص واحد وتتخذ كل منهما موقفا مغايرا للأخرى كما فعلت الأسدية التي انضمت إليه.

الاحتجاجات الفردية الصاخبة

الصدمة الكبيرة التي وجهها الأمويون بقتل الإمام الحسين﵇ وأصحابه بتلك الصورة الشنيعة، وبسبي نسائه فيما بعد، والتي جعلت أهل الكوفة سكارى حيارى، لا هم مصدقون ولا مكذبون، ولا قادرون على التحرك، بل ولا على الاستيعاب، لم تمنع بعض أصحاب البصائر من الاعتراض الصريح وتمزيق ستار الصمت والخذلان، عندما قام عبد الله بن عفيف الأزدي وهو كفيف البصر (وهذا يعني أن لديه من المبررات الخاصة بل ومن عذر الناس له ما يكفيه لو كان يبحث عن مبرر وعذر، لكنه بعدما سمع (خطبة النصر) كما أرادها ابن زياد، حولها عبد الله بن عفيف إلى فضيحة أمام الناس.