طريق السبايا من الكوفة إلى الشام

ومع ملاحظة المسافة المذكورة للطريق الثالث، وتقسيم مقدارها على مقدار سير الإبل (160 كلم يومياً) يكون الناتج هكذا ما يقارب 13 يوماً وهو يتوافق مع المذكور من أن دخولهم إلى دمشق كان في أول صفر وأن خروجهم كان في يوم التاسع عشر من شهر محرم سنة 61هـ، كما قرره المحقق الكرباسي. وأما لو فرضنا بأنهم خرجوا في وقت أبكر من هذا فالأمر أوضح.

بل لقد قرر في تاريخ المراقد أنهم وصلوا في يوم الجمعة، وأنه تم تأخير دخولهم دمشق ليتوافق ذلك مع صلاة يوم الجمعة حيث اجتماع الناس ومن خلاله يتم عرض جديد لبيان (النصر الأموي) وهو ما سيأتي الحديث عنه.

ج. طريق العودة

سيأتي الحديث عن الآثار التي تركها وجود ركب السبايا في الشام على صورة الأمويين وعلى شخصية يزيد بشكل مباشر، الأمر الذي دعاه للتخلص (من هذا الملف واغلاقه) والطريق الأسهل في ذلك هو إعادة ركب الأسارى إلى بلادهم، وهذا ما حصل وهنا فلا حاجة لعرض جديد للانتصار بل الحاجة تقتضي من جهة الدولة الأموية لإغلاق الموضوع مما جعلهم يتخذون قراراً بالاستفادة من أقصر الطرق التي تخرج الركب من الشام باتجاه العراق ثم المدينة، وهو الذي لا يتجاوز الألف كيلومتر من خلال قطع بادية الشام. وبالنظر أيضاً إلى نفس المعادلة في قطع المسافة بواسطة الإبل فإن هذه المسافة عبر هذا الطريق لا تحتاج إلى أكثر من ستة أو سبعة أيام، ولكن حيث أنه قد أمر النعمان بن بشير بالرفق والتؤدة، إضافة إلى ما كانت طبيعة الوضع تقتضيه، فإنه قد طال الطريق أكثر من هذا بحيث أنهم عندما خرجوا من دمشق يوم 11/صفر سنة 61هـ، وصلوا يوم العشرين من نفس الشهر. فاستغرقوا في هذا الطريق فترة أطول من العادية.

إننا مع ما تقدم نجد أنفسنا أمام صورة واضحة، تتطابق مع التواريخ المذكورة، ومع طريق الجغرافيا المتخذ للسير، ومع طبيعة وسرعة النياق والقوافل، ولا نجد في الاستبعادات التي ذكرها مخالفو هذه الفكرة سوى الاستبعادات غير القائمة على بحث ميداني تاريخي أو جغرافي.

الهوامش

  1. 380. من الناحية الفقهية لا يفتي العلماء بحرمة الصدقة المستحبة على الهاشميين وإنما المحرم هو الزكاة الواجبة، ولكن قد يكون الغرض في امتناع اخذ الأطفال واليتامى تلك الفتات من الطعام لما ينتزع منه من صور المذلة التي لا تتناسب مع معزة أهل البيت﵈. فكان ينبغي رفض ذلك. كما احتمل بعض العلماء أن يكون ذلك لنذر تم في مقتل الحسين﵇.. ولا أعلم مصدرا واضحا لهذا الاحتمال!
  2. 381. قد نقلت في المصادر تارة بعنوان (شجاعة) وأخرى (سجاعة)، ومقتضى تعليقه على الكلام ان يكون (سجاعة) لا شجاعة.. فإن سياق كلام العقيلة زينب﵍ وما فيه من الأدب البليغ والرفيع من اداء المعاني بأقصر الكلمات لا ريب يستمطر الاعجاب، لا سيما من مثل ابن زياد الذي كان معروفا بتأثره باللكنة الفارسية التي ارتضخها من أخواله، بل حتى في نطق الكلمات لم تكن عربية واضحة كأن يقول لهاني بن عروة: أهروري سائر اليوم؟ يعني أنت حروري! من الخوارج..وهكذا “.. كون لهجة عبيد الله بن زياد عجمية، وكونه يلحن هكذا، يثبت أن تربيته كانت متأثرة بالنزعة الفارسية، وإن العربية كانت بعيدة عنه بشكل من الأشكال، ويتحدث لنا الجاحظ أكثر في هذه النقطة في كتابه البيان و التبيين، فقد جاء فيه: [... ومنهم ـ المشهورين باللحن ــ عبيد الله بن زياد والي العراق قال لهانيء: (أهروري سائر اليوم)، يريد أحروري... وصهيب بن سنان يرتضخ لكنة رومية، وعبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية، وقد اجتمعا على جعل الحاء هاء... وبعضهم يروي إنّه أملى على كاتب له فقال أكتب (الهاصل ألف كر) فكتبها الكاتب بالهاء كما لفظ بها، فاعاد عليه الكلام فأعاد عليه الكاتب، فلما فطن لاجتماعهما على الجهل قال: (أنت لا تهسن أن تكتب، وأنا لا احسن أن أملي فاكتب: (الجاصل الف كر) فكتبها بالجيم معجمة... عن مقال للشاهبندر https://elaph.com/Web/opinion). وزينب﵍ وإن كانت في غاية الشجاعة عندما واجهت هذا الطاغية في مجلس قوته وجبروته.. ويناسب ان يصفها بذلك إلا أننا نعتقد أن الجانب الآخر هو الأولى.
  3. 382. الفتوح 5/122.
  4. 383. زيد بن أرقم الخزرجي الأنصاري: توفي بعد (61هـ وقيل سنة 68) ويعد بالاضافة إلى كونه من صحابة النبي وشهد مشاهده، من أولياء أمير المؤمنين﵇ وأهل البيت، فقد شهد بحديث الغدير لما استشهده الامام في الكوفة، واشترك معه في حروبه، كما روى حديث الثقلين عن رسول الله، وعارض المغيرة بن شعبة حين رآه يشتم الإمام عليا﵇، وله الموقف المذكور المشهور أمام ابن زياد لما رآه يضرب رأس الحسين﵇.
  5. 384. لسان العرب 12/202: الثنية من الأضراس أول ما في الفم، وثنايا الإنسان في فمه الأربع التي في مقدم فيه؛ ثنتان من فوق وثنتان من اسفل.
  6. 385. الطبري 4/348.
  7. 386. الخطبة من الشهرة والمعروفية لا تحتاج إلى بحث كثير في شأن الناقل هل هو خزيمة أو حذيم أو غيره!
  8. 387. في اطلالة سريعة على بعض مفردات هذه الخطبة نقول: إن العقيلة زينب قد استدعت المثل القرآني الذي يشير إلى أن الإنسان قد يعمل بجد في أمر حتى إذا وصل نتيجته وغايته نقضه وأفسده، والتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً اي نكثت الغزل هي امرأة حمقاء في الجاهلية كانت تأمر بناتها وجواريها للعمل على نسج الصوف من الصباح الى ما بعد الظهر ثم تقوم بسحب الخيط الجامع وتسله فيرجع إلى ما كان عليه وينتقض الغزل، فكل هذا التعب الذي اشتغلوا عليه كأنما لم يكن! وتعود في اليوم الثاني على نفس الطريقة، وبعض المجتمعات هي هكذا فهي تعمل بدأب في المقدمات لكنها عندما تصل إلى النتيجة تتخاذل وتترك وتنقض غزلها.ثم أنها قرعتهم بأنه ليس فيهم الا الصلف النطف؛ ليس سوى المظاهر! هؤلاء يحبون ان يمدحوا بشيء لم يفعلوه! هو يتزين خارجيا ويحاول الحصول على الاحترام من خلال ذلك بينما هو في داخله لا مضمون فيه! ولا خير يرجى منه! لكنه يعشق المدح والثناء وإن كان كل ذلك بالكذب! وهؤلاء الناس أشبه بالإماء والجواري في حرصها على التملق لسيدها والتماوت لتحصيل رضاه والتخضع ليعطف عليها، تقول لهم انتم مع الحكم الاموي حالكم هي هذه الحال فأنتم تعملون المستحيل حتى يرضوا عنكم ومن الاولى ان يرضى الله عنكم ان تتوسلوا وتتخضعوا لله ولأوليائه الحقيقيين لا الى مثل هؤلاء.وتستمر في تعرية ذلك المجتمع الذي هو أشبه بمرعى على دمنة، فالمكان مخضر الظاهر ولكن تحته الغائط والقذارات، مظاهركم مظاهر حسنة ولكن قلوبكم ومواقفكم واعمالكم مواقف سيئة ما الفائدة؟.او كفضة (في قول او كقصة) على ملحودة؛ الملحودة المرأة الميتة في داخل قبرها فماذا ينفع أن يضعوا لها قلادة من فضة وهي في داخل القبر؟ او كقصة القبر يعني تجصيصه وهو الجص الذي يبيضون به القبر من الظاهر ماذا ينفع هذا المتوفى ان تضع عليه رخامة بمبالغ طائلة؟ لا ينتفع بشيء واذا كان هذا القبر مظلما بأعمال صاحبه ماذا يفيده هذا الجص او الرخام والظلال هذا كله عمل ضائع؟.