طريق السبايا من الكوفة إلى الشام

ونحن لا نستبعد أن يكون السيد ابن طاووس قد اعتمد على رواية ابن الأثير، وقد نقلها السيد ابن طاووس من دون إسناد لأحد، وهي إن كان قد اعتمد فيها على ابن الأثير مع ملاحظة التقارب الزمني بينهما، هي بدورها تعتمد على (قيل) وهذا ما يضعفها، كما وأن صياغتها صياغة غيبية ما ورائية، لا يمكن التحقق منها بنحو من الأنحاء، فمن الذي أخبر عن خبر كله غيب؟! سقط حجر عليهم فيه كتاب مربوط بمصائرهم وأن البريد سار بيوم كذا ويصل يوم كذا ويعود يوم كذا، وكأن القائل علام الغيوب بهذا الشكل الدقيق! الذي لا يعرفه إلا من أوتي علماً من الله، وأنه أيضا تم إخبارهم بأن يوصوا ويعهدوا، وكأنهم كانوا ينتظرون في هذه الرحلة الفرج والراحة والعودة إلى منازلهم بسلام.

إن مثل هذا الخبر بهذا النحو والصياغة يذكر عادة بقصص القصاصين التي لا مصدر لها، وكم لهم من أمثالها؟! مما يتوسل فيه بالطيور القادمة من هنا وهناك لإيقاف قتل أو تنفيذه أو سجن شخص أو تحريره

على أننا لو ناقشنا بشكل واضح العلاقة التي كانت تربط ابن زياد بأميره يزيد لعنهما الله فإننا لا نجد أن ابن زياد كان متوقفاً على أوامر يزيد وإنما كان يأخذ منه رأس الخيط فيجره إلى أقصى ما يستطيع ولا ينتظر أوامره في ذلك، وهذا بالطبع لا يرفع المسؤولية الكاملة عن يزيد بن معاوية فهذا له بحث آخر.

ولأن القضية ذات أهمية خاصة نتعرض لها لكي ننفي بواسطتها ادعاء حاجة ابن زياد لانتظار عشرين يوماً كما قالوا حتى يذهب البريد إلى الشام ويأتي بخبر من يزيد أن ماذا يصنع بهم؟!

1. إن يزيد كانت غايته هي القضاء على نهضة الحسين﵇ بأي وسيلة كانت -ومنها القتل- والحفاظ على حكمه ولم يجد أنسب له في هذا من ابن زياد (سواء كان ذلك بمشورة سرجون كما قيل أو لم يكن)، فأعطاه هذا الأمر وبدأ ابن زياد بقتل مسلم بن عقيل والسيطرة على الكوفة، ثم بدأ بتجييش الجيوش الجرارة في وجه الحسين﵇ حتى بلغت في التحقيق ثلاثين ألفا!

إن ممارسات ابن زياد المختلفة لا تشير أبداً إلى انتظاره أوامر من يزيد تفصيلية، (ويمكن أن يتم عقد مقارنة بين أي وال أموي كالنعمان بن بشير أو عمرو بن حريث أو غيرهما وبين ابن زياد ليتبين الفارق الكبير في مبادرة ابن زياد لأمور وتوقف أولئك في كل قضية للمشاورة والسؤال).

فإننا نرى أنه حتى في المجلس العام في الكوفة كان عازماً على قتل الإمام علي بن الحسين﵇ لمجرد أنه رد عليه! كذلك قام ليضرب السيدة زينب﵍ لأنها ناقشته! الأمر الذي جعل مثل عمرو بن حريث يخاطبه في ذلك، مثل هذه الشخصية لا تنتظر متحيرة ماذا تصنع في السبايا! بل لا بد أن يستثمر (النصر) بالكامل من خلال التسيير والتشهير في البلدان، وبالطبع هو يعلم أن يزيد لن يعارض مثل هذا الفعل لكنه لا ينتظر متى يذهب البريد ويأتي حتى يتخذ قرارا بهذا الشأن.

إن قضية التعطيش ومنع الماء عن الحسين وأصحابه بمن فيهم النساء والأطفال لم يكن إلا قراراً من ابن زياد لم ينتظر فيه الأمر من أميره يزيد.