الفرار من الزحف

الفرار من الزحف
00:00 --:--

هذه كانت المرحلة الأولى من الإسلام تتطلب مواجهة الواحد لعشرة. بعد ذلك قال تعالى: ((الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)) (٦٦)
يعني تحولت المعادلة ١ الى ٢. هنا لو انهزم احد المسلمين من القتال, يؤثم و لكن لا يعد مرتكباً لكبيرة.

الاستثناء الثاني: (الا متحرفاً لقتال)
أي أنه ذاهب الى حرفة أو طريقة قتالية أخرى. مثلاً أن يكون يقاتل بالأسلحة الخفيفة فيتحول للقتال بالدبابة. أو أن يكون يقاتل راجلاً, و من ثم يقاتل على ظهر فرس. :ان ينضح بالنبل, و بعد ذلك اصبح لديه سيفاً فأخذ يقاتل به. تحول المقاتل من طريقة الى أخرى قد يتطلب حركة باتجاه معين, و قد يصادف أن يعطي العدو ظهره – أي دبره – لكن هنا لا ينطبق عليه الحكم المذكور, لأن تغيير الجهة هنا لغرض قتالي و ليس للفرار من المواجهة.

الاستثناء الثالث: (أو متحيزاً الى فئة)
مثلا أن يكون في الجبهة الشرقية و يصله خبر أن الجبهة الغربية فيها ضعف أو هجوم قوي من العدو, فيتحول اليها. هذا يقتضي أنه يرجع مسافات و يلتف على الجهة الأخرى. و لو اعطاهم دبره لا يعد من الفارين من الزحف.

أذا فرّ الفرد في غير هذه الموارد تنطبق عليه الآية و يعد مرتكبا لكبيرة من الكبائر. و اذا ارتكب الفرد ذنباً من الذنوب – لا سيما كبيرة من الكبائر - فهو ظالم لنفسه. و اذا كان ظلم نفسه فانه لا يصلح للامامة العظمى لقول إبراهيم ((قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)). فالذي يفر لا يمكن أن يتساوى ابداً مع من يكر. و لذلك يتعجب الانسان, و نحن هذا اليوم نعيش ذكرى عزوة بدر الكبرى و غداً بداية أيام أمير المؤمنين عليه السلام و ذكرى شهادته, من مساواة قسم من المسلمين بين علي بن ابي طالب عليه السلام مع غيره. الذي كان كراراً غير فرار. و هذا فيه اثبات للصفة و تعريض بالغير. لأن قالها النبي في معركة خيبر, عندما تحصن اليهود في ذلك الحصن, و ارسل النبي صلى الله عليه و آله احد أصحابه و معه قسم من المسلمين لفتح الحصن. عندما رأوا حجم الحصن و ضخامته, فكروا في العذر الذي ممكن يقبله رسول الله منهم. أحياناً أنت ترسل انساناً الى شغلة,  هو في الطريق لا يفكر في حل للمشاكل التي ممكن تعترضه, بدلاً من ذلك يفكر "اذا انا فشلت ... ما العذر الذي اقدمه لمرسلي لاقناعه ان فشلي كان شيء عادي؟" فهؤلاء فعلوا ذلك تماماً, رجع الصحابي الذي ارسله رسول الله مع أصحابه يجبنهم و يجبنوننه. و يضعفهم و يضعفونه. في اليوم التالي أرسل النبي رجلاً آخر, و لم يعد بحظ اوفر من الرجل السابق. عندها قال صلى الله عليه و آله: (لأعطينَّ الراية غداً رجُلا يحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسوله كرَّار غير فرَّار يفتح الله على يديه) فأعطى الراية لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب!
كرار على وزن فعال, أي يتكرر منه الهجوم و الكرّ على العدو باستمرار. و يعرّض بمن سبقه من الصحابة, فقال غير فرار. فبعضهم لم تكن الأولى لهم, يروى عن قائد جيش المشركين حينها في يوم أحد خالد بن الوليد, أنه بعد هزيمة جيش المسلمين رأى جماعة يفرون و لا يلوون على شيء, أحدهم كان متلثماً عرفته من عينيه, لكن تركته و اغفله اصحابي. و أما شخص آخر فقد (ذهب بها عريضة) كما يقولون, هرب حتى وصل الى سيف البحر, يعني من المدينة الى جدة تقريباً ٤٠٠ كم و هو يهرب. "هسه واحد يهرب يرجع بيتهم, الى بيت الجيران ينخش, مو ٤٠٠ كيلو!". و لذلك يذكر أنه عندما عاد هذا الرجل الى المدينة و رآه أمير المؤمنين عليه السلام تبسم و قال (ذهبت بها عريضة!) "يعني واجد طوخت المسألة! ما كانت تستاهل هالكد."
هذا علي الذي ما فر قط, حتى أعداؤه اللم يتجرؤوا على ادعاء ذلك فيه و لو كذباً. يعني الأمويون و الزبيريون عندما دونوا التأريخ غيروا بعض فضائل علي عليه السلام.  فقالوا -مثلا- الذي قتل عمرو بن عبد ود العامري كان محمد بن مسلمة الأنصاري, اغفالاً لدوره عليه السلام. لكن لم يتجرأ أحدهم أن يقول أن علياً فر في موقعة من المواقع, ففي ذلك تكذيب حديث رسول الله صلى الله عليه و اله. و لذلك يتعجب الانسان كيف يساوى بينه و بين غيره. يقول السيد باقر الهندي:

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة