الفرار من الزحف
كتابة الأخ الفاضل محمود المطر
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦))) (الأنفال)
أحد كبائر الذنوب التي عرفت بهذا التعريف في مرويات المعصومين هو الفرار من الزحف عند المواجهة بين المسلمين و الكافرين تحت راية مشروعة, سيما اذا كان مع النبي او مع الامام المعصوم. في هذه الحالة يكون الفرار من الزحف من قبل بعض افراد هذا الجيش المسلم اثماً من الآثام و كبيرة من الكبائر. و قد توعد الله سبحانه و تعالى في هذه الآية المباركة بأن على الفاعل غضبا من الله و بأن له جهنم و بئس المصير.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ)), التولية بالدبر تعبير كنائي عن الهزيمة, لا موضوعية لهذه الحركة. أي أن الذنب في التراجع, لا بإعطاء العدو ظهره. فلو انهزم و تراجع بأي نحو من الأنحاء, فانه يتحقق فيه انه ارتكب هذه الكبيرة و هذا الذنب العظيم.
((وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ)) لماذا يشدد الإسلام و القرآن على وجه الخصوص, فضلا عن روايات أهل البيت بهذا المقدار الكبير على قضية الهزيمة, و ان فيها هذا الاثم العظيم؟ نظراً للآثار الخطيرة التي يخلفها المتراجع و المنهزم في المجتمع الإسلامي. تراجع الناس عن الايمان في حالة السلم مثلا يؤثر آثار سلبية كبيرة. لذلك كان أعداء الإسلام يستغلون هذا التأثير النفسي لخلخلة المجتمع الإسلامي. بعض اهل الكتاب قالوا: ((وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) (٧٢ آل عمران) بعض اليهود اقروا أنهم بالبرهان والحجة لا يمكن ان يواجهوا الإسلام. بدلا من ذلك كانوا يذهبون للمجتمع المسلم فيقولون نحن منكم نريد أن نسلم, و بعد ذلك يعلنون انهم رجعوا عن الإسلام بعدما قارنوا الإسلام باليهودية – حسب زعمهم - بغرض زعزعة المجتمع الاسلامي.
في حال الحرب تراص و صمود الجيش يعتمد على صمود افراده, فكل فرد يأخذ العزيمة و الثبات من أقرانه ممن حوله. فلو تراجع أو هلع أحدهم سيحدث ذلك تراجع عدد من الأفراد يتصاعد بازدياد عدد المرتدين عن القتال, و قد يؤدي ذلك لهزيمة الجيش بأكمله. و لذلك في بعض الجيوش البعيدة عن الإسلام, قد يرمى المتراجع عن القتال فوراً بالرصاص, لالتفاتهم لهذه الحقيقة, حفاظاً على ثبات الجيش. لهذا وقف الدين هذه الوقفة من الفرار وقت المواجهة, و انزله منزلة أعظم من الزنا و شرب الخمر. هنا قد يرد سؤال: هل يقتصر هذا الحكم على الجيوش التي تكون تحت قيادة معصومة من نبي أو امام, أو انها حكم عام؟ هذا بحث فقهي خارج عن موضوع البحث الحالي.
ذكرنا أسباب تشديد الإسلام على حرمة الفرار من المواجهة, و هنا نذكر الاستثناءات لهذا الحكم. وردت ثلاثة موارد لو فر الفرد فيها لا يتحقق عليه ارتكاب الكبيرة, وان كان يعد الفرار هنا ذنبا أيضاً..
الاستثناء الأول: اختلال المعادلة العددية بين جيش المسلمين و جيش الكافرين
في بداية الإسلام, لو كان عدد جيش الكافرين عشرة اضعاف جيش المسلمين, وجب الثبات. لكن لو زاد عن العشرة أضعاف لم يجب.
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (٦٥))) (الأنفال) فالمعادلة هي ١ الى ١٠. و نلاحظ استخدام لفظ (حرض) لضرورة التشويق و التشجيع على العمل, ليس فقط على مستوى القتال بل لأي عمل خير. الكلمة الطيبة صدقة. يجب ألا نتردد في الثناء على الجهود المبذولة في المجتمع و إن كانت بسيطة. الشيخ محسن قرائتي, أحد العلماء, يذكر أنه التقى بالسيد محمد الشيرازي في كربلاء اثناء الزيارة. و قد شجعه في سلوك مضمار دراسة و تفسير القرآن الكريم. فبدأ بعد عودته من الزيارة بالمطالعة في علوم القرآن الكريم حتى أصبح له أسلوب مميز يجذب الشباب و يقرب علوم القرآن لهم. و يعد برنامجه (دروس من القرآن) الذي يبث باللغة الفارسية ثاني اكبر برنامج من حيث عدد المشاهدات. كل هذا ثمرة التشجيع! فلنجعل أمر التحريض و التشجيع عادة في مجتمعاتنا. ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣))) (العصر)
أذاً التحريض و التشجيع و التشويق مؤثر, لدرجة أن القرآن يقول بأن التحريض يصنع من الواحد عشرة, و من القوة عشر قوى, و يفجر في الانسان طاقات هائلة!