إذا عُدّ الرجل كذاباً - أي تحول إلى فلان الكذاب بحيث تصطبغ شخصيته بالذنب لذلك يقال إن الله لا يقبل من كذا شخص صرفاً ولا عدلاً وعُدّ منهم الشيخ الزاني ليس لأنه زنى مرة واحدة وإنما على تكرر منه هذا الذنب فأصبح معروفاً بأنه زان، وهكذا بالنسبة للكذاب فهنا يترتب عليه آثار التي تترتب على الكذب لهذا يحتاج الإنسان أن يحتاط كثيراً. الكذب سبّب انحراف عقائدي لدى أجيال المسلمين
إذا نظرنا إلى ما هو موجود الآن في عالمنا الإسلامي، نلاحظ أن جزءاً كبيراً من الانحراف العقائدي والفقهي سببه الكذب، وإلا كيف انحرفت عقائد قسم من المسلمين ؟! إنما ذلك على أثر وجود محدثين كذبة، كذبوا على رسول الله صلى الله عليه واله ونقلوا أحاديث مزورة، فالأجيال التي تبعتهم على أثر ذلك أصبحت عقائدها عقائد مشوهة، فنرى مستوى الجريمة أنّ محدّثاً كاذباً نقل حديث مكذوباً فالأجيال اللاحقة وعلى مراحل تاريخية متعددة جميعهم سينحرفون نتيجة لهذا الحديث المكذوب وستصبح عقائدهم منحرفة، وستصبح عبادتهم خاطئة على أثر ذلك ، فإذا كان الحديث يتعلق بالوضوء أو الصلاة أو الحج مثلاً فهؤلاء الناس سيكون وضوئهم أو صلاتهم أو حجهم فيه خطأ ومشكلاً.
إذن من الممكن أن يكون حديثاً واحداً مكذوباً في العقائد أن يؤدي إلى فساد عقائد وعبادات أجيال من المسلمين، ألا يستحق الكذب هذا المقدار من التهديد والوعيد عليه واعتباره كبيرة من الكبائر العظمى؟!
بل ما نجده من المشاكل الآن بين المسلمين جزء هو كبير منها يعود إلى الكذب، فإذا جاء كاتب أو واعظ أو خطيب أو متكلم ويقوم بالكذب على فرقة كاملة من المسلمين كأن يقول مثلاً: الشيعة يعبدون علي بن أبي طالب ويعبدون أهل البيت ويعتقدون بتحريف القران ويفعلون كذا وكذا، ثم تنشأ أجيال من بعده وتؤمن بهذه الأفكار الكاذبة المتعمدة مما يؤدي إلى الصراع والنزاع والانشقاق بين المسلمين وتسيل الدماء على أثر أمر سببه الكذب والافتراء، فكم من البغضاء والشحناء والإحتراب وسفك الدماء نتج على إثر كذب مفترى؟ وكم من الإحن والأحقاد أثيرت على هذا الأمر! وهي أمور بلا شك كاذبة.
من الممكن أن تصنع حروب وأحقاد بين المجتمعات الإسلامية على أثر صورة مكذوبة ومشوهة نقلها هذا أو ذاك، ونلاحظ اليوم آثار الإعلام الكاذب في مختلف الأماكن من قنوات فضائية ومجلات أو صحف ووسائل تواصل اجتماعي، ونسمع هذا الكلام الذي لا أصل له ولا مصداقية فيه، وكله إنما هو صناعة نفس القائل بالافتراء وتأليف منه الذي لا أثر لها في الواقع الخارجي، وهذا يؤكد ما يقوله أمير المؤمنين عليه السلام : ( إياك إياك ومصاحبة الكذاب فإنه كالسراب يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب ) أي أن الكذاب يحول الأمن إلى خوف والخوف يحوله إلى أمن، والعدو يحوله إلى صديق والصديق يحوله إلى عدو والدين يحوله إلى انحراف والانحراف يحوله إلى دين، ولذلك كان مكسب هؤلاء حراماً سحتاً، فالذي يكتب مقالاً في صحيفة ما فيملأها كذباً وزوراً، فهذا لا يحل له المال الذي أخذه عليه فهذا المال من المكاسب المحرمة لأنه تكّسب بالكذب.
فالذي يقوم بوضع تصوير معين للتاريخ الماضي أو الحاضر وهو تصوير كاذب ويقبض عليه اموال يحرم عليه أن يتصرف في هذه الأموال لأنه تَكَسُّب محرم منشأه الكذب ولا يحل له أخذ المال، فلذا رأينا أن الكذب بهذا الشكل وبهذا المستوى من الحق جداً أن يكون من أكبر الكبائر ومن أعظم العظائم ومن الذنوب الكبيرة التي لابد على الإنسان أن يسعى قدر الإمكان إلى اجتنابه، وأن لا يسمح بدخوله في حياته.
الموارد التي لا يحرم فيها الكذب:
استثنى علماؤنا ومنهم الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري - أعلى الله مقامه - في كتابه المكاسب في قسم المكاسب المحرمة حيث ذكر في باب التكسب بالكذب وهو حرام ويستثنى من ذلك موردان التي لا يحرم فيها الكذب: