الغنيمات على مدى سنة أو سنة ونصف، وأصبح لديه قطيع كثير من الأغنام فكان بقاؤها في المدينة غير مريح، فخـــرج الى سرح المدينة -أي أطراف المدينة - وصار لديه حظائر كبيرة. ومن الطبيعي أنه إذا ذهب إلى هناك فلن يكون في الصف الأول في الصلوات خلف رسول الله صلى الله عليه وآله كما كان سابقاً، بل تخلف عن الصلوات لانشغاله بأغنامه، لأنه لا يستطيع أن يذهب إلى هناك ثم يأتي للصلاة فإذا خرج للمرعى لا يلحق على الصلاة فترك الفرائض والمستحبات التي كان يفعلها. فلما نزلت آية الزكاة (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) ، أرسل النبي صلى الله عليه وآله المزكين إلى الذين لديهم أنصاب زكاة كالذين يملكون الأبل والأبقار والأغنام أو من لديهم حصاد زرع. فجاء المزكي
إلى ثعلبة وقال له: إن النبي أرسلني إليك حتى نقّيم ما تملك ونحسب بمقدارها ما عليك من الزكاة، فثار ثعلبة وقال: هذه جزية ونحن لسنا كفار، فقال له: الجزية شيء والزكاة شيء آخر، فقال: لا هما سيان، فقال له: اذهب أنت إلى من عليه زكاة ثم ارجع إليّ، ثم ذهب ورجع مرة أخرى إليه، ولكن ثعلبة أعاد نفس الكلام بغضب، فذهب ثعلبة وجمع له كل من بها عيب من عور أو كسر وأعطاها المزكي، فقال له: رسول الله أمرنا أن لا نأخذ إلا طيباً، فرجع المزكي إلى رسول الله صلى الله عليه واله وأخبره بالخبر فنزلت الآية المباركة (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٧٥﴾ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ
﴿٧٦﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴿٧٧﴾ ) يعني هذا الكذب الذي مارسه هذا الإنسان بأن لو أعطاه الله تعالى سيصنع كذا وكذا لم يصدق فيما وعد وعاهد عليه الله فأدى به الأمر إلى أن أعقبه نفاق فتحولت حالته من إيمان الى نفاق.
في هذه هذه القصة فيها كثير من الدروس والعبر منها:
١- سقوط نظرية عدالة الصحابة.
هذه النظرية التي ننظر للصحابة بأنهم كلهم عدول وأنهم أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وأن الجيل الذي كان يعيش مع النبي صلى الله عليه وآله جيل مثالي ليس صحيحاً، بل فيهم المؤمن المخلص وفيهم المنافق وفيهم الجاحد، فكل الدرجات الموجودة في هذا الزمان موجودة في تلك الأزمنة، إضافة إلى ذلك أن نموذج ثعلبة هو يبين أنه ليس فقط من صحابته، بل ملتصق بالنبي صلى الله عليه وآله في المسجد، ومع ذلك يقول القران الكريم بالنص هذا صحابي تحول إلى منافق إلى يوم القيامة.
٢-الكذب يقود إلى النفاق
نلاحظ أنّ القران أشار إلى أن الكذب من الممكن أن يُصنع وينتهي إلى حالة من النفاق، فأصبح عندنا درجة الشرك عبارة عن فرية كبرى وكذبة عظمى على مستوى العقائد، والنفاق ينتج من حالة كذب ويحول صاحبه من الإيمان إلى هذا المستوى المتدني عبر بوابة الكذب.
٣-الطغيان:
طغيان الإنسان حينما يستغني (كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى(٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى(٧) ) فحينما يطغى الإنسان تصبح لديه مبررات يسوغ بها أعماله كأن يطلق على الزكاة المفروضة جزية كما في قضية ثعلبة.
الكذب مقدمة للرذائل
إن الرذائل الأخلاقية والخبائث من الممكن أن يكون منطلقها الكذب، وأن الكذب يعتبر بوابة لها كما في روايات كثيرة، فمن الروايات بهذا الشأن: (جعلت الخبائث كلها في بيت وجعل مفتاحها الكذب) وحديث أكثر من ذلك وأعجب (إن الله عز وجل جعل للشر أقفالا، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شر من الشراب) . الكذب أكثر خطورة وشرره أكثر شرب الخمر، هذه حقيقة لا يتوقعها الإنسان أبداً لعلك تقول لماذا ؟ قد يكون نظراً لأن شرب الخمر مداه مدى مؤقت إمكانية تناوله إمكانية محدودة ولكن إمكانية تناول الكذب هو في كل الأوقات،وفي كل الظروف لأنه بعيد أن يأتي الإنسان إلى المسجد ويشرب الخمر, بعيد أن يأتي في وسط الناس ويشرب الخمر, لكن من الممكن أن يأتي وسط المسجد ويكذب في وسط