فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى وَفِي الْحَلْقِ شَجًا أَرَى تُرَاثِي نَهْباً حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ ـ ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى ـ :
شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا * وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ
فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَيَخْشُنُ مَسُّهَا وَيَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَالِاعْتِذَارُ مِنْهَا فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَشِمَاسٍ وَتَلَوُّنٍ وَاعْتِرَاضٍ فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا لَلَّهِ وَلِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَمَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَهَنٍ إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ .)١٩
أربعون عاما تصرمت من حياة أمير المؤمنين وخسر فيها المسلمون حاميًا وراعيًا وحاكمًا ووصيًا وإمامًا إلى أن وصلت البيعة إليه وياليتها قد دامت إليه
(فلما قمت بالأمر نكثت طائفة أهل الجمل وقسطت أخرى أهل صفين ومرقت ثالثة اهل النهروان كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون فى الأرض علوًا ولافسادًا ) ٢٠ ،بلى سمعوها ووعوها ولكن تراءت الدنيا في اعينهم وازيّنت بزخرفها، وغرتهم بغرورها.
حتى اندفع المجرم القاتل عبدالله بن ملجم الذي قتل أمير المؤمنين من قبل قطام وليس من دافع الدين بل امرأة غرّرت به قتل أمبر المؤمنين، كانت معتكفة أيّما اعتكاف بينما كانت تخطّط لإيذاء الآخرين ، وتتآمر بقتل أمير المؤمنين ، إذ كانت على علاقة محرمة مع ابن ملجم .
فلما كانت الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان كما تروي لنا أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليهالسلام : (لمّا كانت ليلة تسعة عشرة من شهر رمضان قدّمت اليه عند إفطاره طبقا فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش . فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره ، فلما نظر إليه وتأمّله حرّك رأسه وبكى بكاءًا شديدًا عاليًا ... وقال : يا بنية أتقدمين إلى أبيك إدامين في فرد طبق واحد ؟ أتريدين أن يطول وقوفي غدًا بين يدي اللّه عزوجل يوم القيامة ؟ أنا أريد أن أتّبع أخي وابن عمّي رسول اللّه صلىالله عليه وآله ، يا بنية ما من رجلّ طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلاّ طال وقوفه بين يدي اللّه عزوجل يوم القيامة . يا بنية إنّ الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب .
و ذكر لها نبذة من زهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله ثم قال لها : يا بنية واللّه لا آكل شيئًا حتى ترفعين أحد الإدامين ، فلما رفعته تقدّم إلى الطعام فأكل قرصًا واحدًا بالملح الجريش ، ثم حمد اللّه وأثنى عليه ثم قام إلى صلاته فصلّى ، ولم يزل راكعًا وساجدًا ومبتهلاً ومتضرّعًا إلى اللّه سبحانه . ويكثر الدخول والخروج وهو ينظر الى السماء ...)٢١
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
١ بحار الانوار ج٣٥ ص٣٦
٢ موقع السراج
٣ ميزان الحكمة ج٣ ص٣٢٤٧
٤ حياة أمير المؤمنين على لسانه ج١ص١٧٩
٥ الفصول المهمة في معرفة الأئمة ج١ص١٨١
٦ ميزان الحكمة ج١ص٥٨
٧ حديث المنزلة ص٣١
٨ سورة الشعراء آية ٢١٤
٩ المختصر ص٨٩
١٠. موقع الشيرازي نت
١١ الفصول المهمة في معرفة الأئمة ج١١٦٤