لاإكراه في الدين

لاإكراه في الدين
00:00 --:--

(( لا إكراه في الدين ))، هناك عدة احتمالات في معنى هذه الآية وهي: 

١ – الإحتمال الأول: أن الدين لا يحصل بالإكراه، فالدين إلتزام نفسي وعقد قلبي ولهذا فإنه لا يمكن أن يحصل بالإكراه أو القهر أو الجبر، فقد يستطيع الإنسان أن يجبر شخصاً آخر بفعل أي شيء لكنه لا يستطيع أن يجبره على أن يحبه بقلبه مهما فعل لأن القلب لا يتحرك بالقهر والجبر والإكراه، لذلك فإن الله يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقول له: (( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ))، بالرغم من أن دين الإسلام هو الدين الحق وأن النبي مبعوث لذلك لكن طبيعة الدين لا يكون بالإكراه سواء كان دين حق أو دين باطل، ففي بعض المجتمعات تقوم السلطة القائمة وتكره الناس وتجبرهم بأن يصبحوا على دينها وقد يطاوعونها بألسنتهم ومظاهرهم ولكن قلوبهم تكون منعقدة على شيء آخر.

بناءً على هذا الإحتمال الاول فإن الآية المباركة تريد أن تقرر حقيقة من الحقائق وهي أن الدين من الأمور التي لا ينفع فيها الإكراه ولا الجبر.

٢ - الإحتمال الآخر: أن من مواصفات هذا الدين أنه لا يوجد فيه إكراه ولا أحكام قائمة على الإكراه كما أنه لا يوجد فيه حرج ولا ضرر، فقد قال تعالى: (( وما جعل عليكم في الدين من حرج )) وقوله: (( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ))، فنفس التشريع عندما أنزله الله سبحانه وتعالى لم يجعل فيه الأحكام الإكراهية، فالمعنى الآخر للآية هو أنها تشير إلى صفات التشريع الديني الإلهي.

٣ – الإحتمال الثالث: أنه لا يجوز الإكراه في الدين ولا تقع آثاره ولا تترتب عليه أيضاً، أي أن الإكراه منفي ومحرم ومرفوض ولا يجوز أن يكره أحد أحداً آخر بغير حق ولو أكرهه على شيء لم تترتب آثار ما أُكره عليه، مثل لو أن شخصاً شاباً حديث الزواج قد أراد زوجته نهار شهر رمضان وقام بتهديدها تارةً بالطلاق وأخرى بالضرب والإيذاء وما شابه ذلك، فإنها تكون حينها قد أُكرهت على هذا الأمر، فنجد أن هذا الشخص مأثوم  لأنه أكره زوجته بغير حق وهذا مرفوض وغير جائز.

الحالة الطبيعية أن الإنسان عندما يفطر في نهار شهر رمضان فإنه يستحق الإثم ويقضي الصوم وعليه الكفارة إذا كان متعمداً في الإفطار، ولكن هنا بما أن هذه المرأة مكرهة على الإفطار فلا يترتب عليها إثم لأن في حالة الإكراه ترتفع الآثار المترتبة على الإفطار العمد من الإثم والكفارة وإنما إثمها وكفارتها وتعزيرها على المُكرِه، فيعزر ويجلد بخمس وعشرون سوطاً عنه وخمس وعشرون سوطاً آخر عنها، فالآية المباركة تريد أن تقول بناءً على هذا الإحتمال الثالث أن الإكراه بغير حق ممنوع ومحرم وغير جائز ولا تترتب آثار الإكراه عندما يكره الإنسان على شيء.

مثال آخر: لو أن شخص متسلط وجبار استدعي شخصاً مؤمناً وأعطاه مبلغ مالي زهيد ليخرجه من بيته غصباً عنه وسيخرجه بالقوة إن رفض ذلك فخرج هذا الشخص من بيته مكرهاً، فنا يكون هذا الظالم المستبد قد ارتكب حراماً وأن هذا البيت لم ينتقل إليه بوجه شرعي ولذلك لا يجوز شراء هذا البيت إن عرضه هذا الظالم للبيع لأنه ليس ملكه ولم تترتب عليه آثار الملكية، فبعض الفقهاء هنا يفرقون في تعبيراتهم بين الإكراه والإلجاء ( الإجبار )، فلو أن أحدهم أتى بشخصين وقال لأحدهما أن يشرب الماء في نهار شهر رمضان أو أن يقتله إن لم يشرب فهذا يعتبر إكراه، ثم قام بالإمساك بالشخص الآخر وربط يديه وأشربه الماء فهذا يعتبر إلجاء (إجبار)، ففي الحالة الأولى وهي الإكراه يجب على الشخص المكرَه القضاء ولكن لا يكون مأثوماً وليس عليه كفارة، بينما في الحالة الثانية وهي الإجبار لم يبطل صومه وليس عليه القضاء وليس عليه الكفارة ويستطيع ان يكمل صومه في هذه الحالة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة