وهذا التفسير لأمير المؤمنين عليه السلام ينقض دعوى فقهاء المالكية القائلين بأن البسملة ليست جزءا من الفاتحة. لأن عدد آياتها إذا لم تحتسب البسملة تصبح ست آيات، بينما القرآن الكريم يشهد وبتفسير أمير المؤمنين عليه السلام أن الفاتحة سبع آيات.
_الدليل الثالث/ تاريخي:_ توجد حادثة تاريخية ينقلها الشافعي في كتابه الأم، والبيهقي في السنن، والحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، وغيرها من الكتب. تروي الحادثة أن معاوية صلى بالناس في المدينة صلاة جهر فيها بالقراءة فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فلما فرغ ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية نقصت الصلاة، أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ فكان إذا صلى بهم بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
وهذه الحادثة التاريخية الواردة في كتب معتبرة لدى الجمهور تنقض دليلهم الأول المعتمد على رواية عبد الله بن مغفل ودعواه بأنه صلى وراء النبي والخليفة الأول والثاني والثالث فلم يسمعهم يذكرون البسملة. فلو كان كلامه صحيحا لما اعترض أهل المدينة على معاوية حين لم يقرأ البسملة. فهذا يدل على أن قراءة البسملة في الصلاة كانت مرتكزة في أذهانهم.
_الدليل الرابع/ الإجماع:_الإجماع دليل من الأدلة التي يستند إليها الفقيه سواء عندنا أو عند مدرسة الجمهور، وإن كان يوجد اختلاف في حدود هذا الإجماع وفي تعريفه. وإجماع العلماء في زمان واحد أو أزمنة مختلفة على كلمة واحدة مع اختلاف مسالكهم، يعتبر دليلا، حتى مع عدموجود دليل من الكتاب أو السنة. ويقسم الإجماع إلى: لفظي وعملي.
ويمكن الادعاء بأن اعتبار البسملة جزءا من الفاتحة بل من مجمل سور القرآن مما أجمع عليه فقهاء الأمة على نحو عملي.
**الرسم القرآني:*
ويؤيد ذلك أن كتاب المسلمين القرآن الكريم بجميع نسخه في كل العصور حتى تلك المخطوطة في المتاحف تبدأ سوره بالبسملة. وهذا يشهد على أن أهل العلم في كل عصر اعتبروها آية من القرآن الكريم. خصوصا مع علمنا بمقدار الاحتياط الذي تعامل به الخطاطين مع الرسم القرآني، وحرصهم على الإبقاء على نفس الخط والإملاء منذ الزمن الأول إلى زمننا الحاضر.
وحتى عندما أرادوا تنقيطه لرفع الاشتباه بين الكلمات -مثل يأتوا ويأبوا- توقفوا عند ذلك طويلا وأشبعوا الموضوع نقاشا واستفتاء. ومع كل هذا التشدد والتحرز يصبح مستبعدا أن تكون البسملة قد أضيفت إلى القرآن دون اعتراض من أحد. أما دعوى أن البسملة كانت بمثابة خط فاصل بين السور لمنع اختلاطها فيدفعه أن الفاتحة لم تسبقها سورة فلماذا ابتدأت بالبسملة؟
**البسملة أدب إسلامي:*
وحتى لو افترضنا جدلا بأنه لا توجد لدينا أدلة توجب أن تفتتح كل سورة بذكر البسملة في الصلاة، فإنه سيتعين علينا الالتزام بها. لأن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " كل أمر ذي بال لا يبدأ باسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" يعني مقطوع وبلا بركة. والقرآن قطعا أمر ذو بال فينبغي أن يقرأ عليه اسم الله سبحانه وتعالى.
إن المسلم لا يستحل أكل الذبيحة ما لم يذكر اسم الله عليها { وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ..} وحتى في الصيد ينبغي أن يذكر الصياد اسم الله قبل أن يطلق سهما أو رصاصة أو كلب صيد لتتحقق التذكية.