بقي الإمام عليه السلام في المدينة بعد تلك الفترة التي كان فيها خارج المدينة مدة حوالي ٣ سنوات أو نحوها قضاها في البادية. وقد استقر الوضع بعودته وبدأ في حركات متعددة وقد كان الخط العام إبقاء نهضة الإمام الحسين ومأساة الإمام الحسين وقضيته حاضرة في الأذهان لا تغيب عن الناس. ولذلك كان يستفيد من كل الفرص للتذكير بها. فمثلاً كان يتذكر الحسين عليه السلام عند رؤيته قصاباً، وعند رؤية الماء، وعند رؤية المناظر المختلفة التي يمكن استدعاء قضية الإمام الحسين فيها، فيستدعيها. وكان هذا خطاً مستمراً.
الخط الآخر هو الخط العلمي فقد رأى الإمام السجاد عليه السلام أن جانباً مهماً من نهضة المجتمع الدينية يعتمد على بث العلم من مصادره الصحيحة. ولذلك فقد عمل الإمام خلال فترة ٣٤ إلى ٣٥ سنة في هذا الإطار بل وفي عدة اتجاهات:
الاتجاه الأول: أنه سعى لاستقطاب من يطلب العلم من الفقهاء. ولذلك قالوا إن فقهاء المدينة السبعة الذين يعدون في التاريخ الإسلامي، كانوا عيالاً على الإمام زين العابدين في علمهم أمثال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي يعد من علماء مدرسة الخلفاء، والذي يوصف بأنه ما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علم محمد بن مسلم بن شهاب الذي كان من تلامذة الإمام السجاد عليه السلام. كما أن القاسم بن محمد بن أبي بكر كان أحد فقهاء المدينة المبرزين وتلامذة الإمام زين العابدين عليه السلام. وقد كان سعيد ابن جبير، الذي استشهد على يد الحجاج على الولاية وعلى محبة أمير المؤمنين عليه السلام، ممن أخذوا العلم من الإمام زين العابدين عليه السلام وغيرهم كثيرين إذ ينقل عنه الكثير ويكفي أن المؤرخين والكتاب ذكروا من أصحابه ما يزيد عن ١٧٠ ممن أخذ منه العلم وروى عنه الحديث. ويعتبر هذا العدد كبيراً فمنهم زيد الشهيد وقد سبق ذكر منزلته العلمية في وقت مضى، كما ان الباقر عليه السلام كان أحدهم أيضاً فضلاً عمن كان خارج هذا الإطار.
الاتجاه الثاني: تكريس الأخلاق والارتباط بالله عز وجل في خطة مقابلة لتخطيط الامويين الذي كان ينتهي إلى انهاء الحالة الأخلاقية. بالرغم من أن الخط الاموي السفياني الأول كان سيئاً، إلا أن الخط المرواني الذي جاء فيما أشد سوءاً إذ كان معاوية في البداية، ثم يزيد الذي حكم ٣ سنوات وأحدث كل سنة مشاكل ومصائب أعظم من الأخرى وأعظمها قضية كربلاء إلى أن انتهت أيامه ولم تنتهي آثامه. وقد تلاه ابنه معاوية بن يزيد الذي كان رجلاً متعقلاً، وقد صعد المنبر عند قدومه أول مرة كخليفة وقال:" قد علمتم أن جدي معاوية قد نازع علي بن أبي طالب هذا الأمر حتى أفضيا إلى ربهما" بما معناه أنه لا يريد الخوض في الحديث عنهما." ثم جاء أبي ففعل ما فعل، فإن كان
خيراً فيكفي بني أمية ما أخذوا منه، وإن كان شراً فما أنا متقلدٌ فيه شيء". ثم نزل واعتزل الناس. وقيل بأنه بعد ذلك دُبرت له عملية اغتيال وقتل. وبذلك انفرطت مسبحة الدولة الاموية ونظام الحكم فأصبح في دمشق جماعة، وقد قال الضحاك الفهري بأنه خليفتهم، بينما قال مروان بن الحكم في جهة أخرى بأنه الخليفة. أما عبد الله بن الزبير في المدينة ومكة فقد قال بأنه الخليفة. وبدأت المعارك بين هذه الفئات وانتهى الأمر إلى غلبة مروان بن الحكم وسيطرته على الوضع في الشام ثم تفرغوا وتوجهوا إلى ابن الزبير وحاربوه حتى قتل ابن الزبير وأخوه مصعب وتأتي في هذه الأثناء قضية المختار الثقفي قبلهم، فصفى الأمر إلى مروان بن الحكم وبه بدأ الخط المرواني في تاريخ الأمة الإسلامية. ولم