الشاهد أن موقعها كان موقعاً متميزاً فأعطاها الإمام الحسين بناءاً على هذه الروايات الواردة من طرق الإمامية كتب العلم وأماناتٍ ترتبط بقضية الإمامة وقال لها "الأكبر من ولدي إذا جاء يطلبها منكِ، فأعطيها إياه". وأخبر الإمام زين العابدين عليه السلام أن لدى أم سلمة أمانات كتب العلم، وقضايا ترتبط بالإمامة، فإذا رجعت إلى المدينة فاطلبها منها. وهكذا حصل مما فيه إشارة إلى توجيه الناس إلى إمامة الإمام زين العابدين سلام الله عليه على غرار تولي الإمام زين العابدين كما هو الرأي المشهور بين الإمامية لـتجهيز الإمام الحسين عليه السلام، فلم يكن هناك تغسيل كما تعلمون نظراً لأن الشهيد في المعركة لا يغسل ولا يكفن وإنما يدفن بملابسه وهذه من كرامة الله للشهيد. كأن الإنسان العادي عندما يأتيه الموت تحصل فيه نجاسة وخباثة ناتجة عن الموت، فالشرع قرر له ثلاثة أغسال لكي يكون طاهراً وهو يتعامل مع رحاب القدس والملائكة. كأن الشهيد لمرتبته العالية لا يحتاج إلى مثل هذا التغسيل والتطهير ولا التكفين وإنما يدفن بملابسه من غير التغسيل معتاد.
فالذي جهز الإمام بمعنى أنه لفه، وجمع أعضائه، وأقبره في قبره، هو الإمام السجاد عليه السلام. وعندنا أنه من العلامات على إمامة الإمام التالي، أن يتولى تجهيز الإمام السابق. العلامة لا يعني عدم حدوثها انتفاء الإمامة، ولكن أنت تريد أحياناً أن تعطي علائم مختلفة لإمامة الشخص فتقول مثلاً: من تكون له وصيته هذه علامة من العلامات. قسم من الناس يطلع عليها. قسم آخر يوصلهم خبر أنه من يجهز أباه الإمام السابق هذا هو الإمام. ولذلك لا يرد مثلاً إشكال إذا كان كذلك فمن ذا الذي يغسل الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف حيث أنه هو خاتمة الأئمة وآخر الأوصياء الهداة. في هذه الحالة نحن لا نحتاج لأن هذه علامة ليست للإمام السابق وإنما علامة للإمام اللاحق. وليست شرطاً. فهناك فرق بين أن تكون هذه علامة من العلائم وبين أن تكون شرطاً من الشروط. فهي ليست شرطاً وإنما هي علامة. فقد يفهم أشخاص هذه العلامة ويفهم أشخاص آخرون علامةً أخرى، ويفهم أشخاص من نوع ثالث علامة أخرى. وبذلك تتعدد العلامات الدالة على إمامة الشخص. فهذه أيضاً تضاف بناءاً على ما هو المعروف عند الإمامية والرأي المشهور من أن الإمام السجاد عليه السلام هو الذي تولى تجهيز أبيه سلام الله عليه.
في قضية كربلاء، مارس الإمام السجاد فيها الدور الذي تسمعونه من خطاباته، من مواجهته، من حفاظه على الأسرة، من بقاءه في هذه الجولة من يوم الحادي عشر إلى يوم العشرين من صفر إلى كربلاء ثم مكثوا مدة فيها ورجعوا إلى المدينة. بعضٌ قال بعد ثلاثة أيام وبعضهم زاد على ذلك. فوصلوا في رأيٍ مع بدايات ربيع. في المدينة المنورة بدأ الإمام عليه السلام بممارسة دوره الطبيعي في الإمامة.
وكان أول شيء عنده كما ذُكِر ويُذكر إبقاء قضية الإمام الحسين عليه السلام ساخنةً بالرغم من أن الإمام السجاد كما ورد في بعض الروايات اعتزل الناس لبرهة من الزمان وذلك لكي يذهب إلى زيارة أبيه الحسين وجده أمير المؤمنين. ولدينا رواية في كتاب فرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين علي للسيد عبد الكريم ابن طاووس وهو من أساتذة العلامة الحلي وله منزلة عظيمة بين فقهائنا. لديه كتاب اسمه فرحة الغري، غرضه تعيين قبر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. فمن جملة ما يذكر، يذكر زيارات المعصومين وأصحابهم إلى النجف الأشرف وفيها أيضاً زيارات المعصومين بالضمن إلى قبر أبيه الحسين سلام الله عليه، فذكر هناك أن الإمام زين العابدين في رواية عن الإمام الباقر أن علي بن الحسين لما رجع إلى المدينة اتخذ له بيت شعرٍ خارج المدينة ومكث بضع سنين معتزلاً الناس وذلك ليزور الإمام الحسين وجده أمير المؤمنين. طبعاً إذا كان الإمام داخل المدينة، فهو موجود بين الناس باستمرار، فأي غياب له يعرف بسرعة وآنئذٍ من الممكن أن يتتبع. وذاك الوقت كان يراد إخفاء قبر أمير المؤمنين عليه السلام. فلم يكشف القبر للعموم إلا بحدود سنة ١٤٠ه بل ما بعدها في زمان هارون العباسي. والإمام عليه السلام في نفس الوقت الذي كان يتحين الفرص أيضاً لم يترك زيارة أبيه وجده وشجع من يحيط به من بني هاشم لكي يذهبوا إلى هذه الزيارة.