من هذه الآلاف أومئات الآلاف أو الملايين من صفات الله عز وجل وجهات كماله انتخبت صفتان لتكونا صفتين لاصقتين باسم الذات الإلهية ، فالله سبحانه وتعالى اسم الذات لا يسمى به غيره فهناك فرق بين الله وإله . إله يمكن أن تطلق على غير الله سبحانه وتعالى في اللغة العربية فتضاف إلى شيء لكن هذا الاسم العلم (الله )لا يصح إطلاقه أبدًا إلا على الذات الإلهية المقدسة فهو الاسم العلم المتخصص في ذات الله سبحانه وتعالى . ثم يوصف بصفتين كلتا الصفتين تنتهيان إلى الرحمة مع وجود كما ذكرنا مئات الآلاف أو الملايين من صفاته عز وجل ولكنك عندما تذكر تقول بسم الله الرحمن الرحيم .
الجميل في الأمر أن نفس هذا الباحث صاحب كتاب التحقيق يشير إلى نقطة يقول أن كلمة رحمن ورحيم في اللغتين العربية والعبرية كلاهما بمعنى واحد وكأن لهما أصلًا واحدًا ففي اللغة العبرية يقال عن الرحمن هارحمن والرحيم يقال رحميم بإضافة ميم قبلها وهناك بحث أنه هل للغات السامية أصول وجذور واحدة أو لا هذا يبحث في تاريخ اللغات وفي فقه اللغة وينتهون أن اللغات التي ذات مصدر مشترك ولوبحسب المنطقة عادةً ما تكون أصولها واحدة مع شيءٍ من التغيير . فمثلًا اللغات اللاتينية تجد أنه بالمقارنة عدد غير قليل من كلماتها تتشابه في أصولها وتختلف بعض الاختلاف ،واللغات السامية التي كانت منتشرة في المنطقة مثل العبرانية والسريانية والعربية عندما يبحث العلماء تاريخها وأصولها تجد أن لها جذورًا مشتركةً مع شيء من التغيير لا أنها تنطبق تمام الانطباق ولكن بنسبة كبيرةٍ هي متشابهة ومتشاكلة في أصولها .
فهذه الصفة صفة الرحمن وصفة الرحيم موجودة في اللغة العبرية مع شيء من التغيير، فانتخبت هاتان الصفتان وهما تنتهيان إلى معنىٍ واحدٍ وأصلٍ واحدٍ مع شيءٍ من الفرق في أن إحداهما تختص بالدنيا والأخرى تشمل الدنيا والآخرة . هذه هي الصفة التي تزينت بها البسملة القرآنية والتي جعلت مفتتح السور القرآنية على مدى مائة وأربع عشرة سورة . مع ملاحظة أن عدم ذكر البسملة في سورة التوبة فلها تعويض في سورة النمل حيث الآية ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم )
هذا بالنسبة إلى صفة الله عز وجل وكأن الله يريد أن يقول اختصرنا صفات الله عز وجل التي لا حدود لها اختصرناها بأهم وأبرز الصفات وهي صفة الرحمن والرحيم وكأن هاتين الصفتين تقومان مقام سائر الصفات .
وحين تأتي لقضية الأنبياء فقد جعل الله تعالى الأنبياء وسائط لرحمته وجسورًا لفيض نعمته للناس ، متى صار هذا ؟
عندما قال (وأدخلناهم في رحمتنا) فالله سبحانه وتعالى عندما أدخل الأنبياء في رحمته جعلهم وسائط لرحمته إلى البشر من خلالهم تتنزل البركات وتأتي الخيرات إلى البشر وهذا بحثٌ مفصلٌ في مجال العقائد . كيف يكون النبي والإمام واسطةً في فيوض الله سبحانه وتعالى على البشر والغرض هو أن هؤلاء عندما وصلوا إلى هذه المرتبة عندما أدخلهم الله في رحمته فكانوا بعد ذلك وسائط لرحمة الله إلى الخلائق . وفي طليعة هؤلاء سيد الأنبياء محمد (ص) الذي وصف من قبل القرآن الكريم بوصفٍ ووصف من قبل نفسه بوصفٍ أعلى .
ما وصفه القرآن الكريم هو ( وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين )
طبعا هذا يختلف عن قول أرسلناك رحمةً فالنفي في البداية بشكلٍ مطلق والاستثناء بعد ذلك يفيد الانحصار . فلو قال أرسلناك رحمةً للعالمين لا يمنع أن تكون هناك صفة أخرى لا يوجد ما يمنع من ذلك .
أما إذا جاء بالجملة والكلمة على أساس النفي المطلق في البداية والإثبات بعد ذلك فما أرسلناك في أي شيءٍ لأي شيءٍ ولأي غرضٍ إلا رحمةً للعالمين فكأنما تمحض النبي (ص) في وجوده وفي بعثته وفي رسالته في أن يكون رحمةً للناس ، فبناءًا على هذا يفسر ما قاله صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين مما روي عنه ( إنما أنا رحمةٌ مهداة) وهذا يعني أنا لا شيء آخر إلا الرحمة وبذلك يتساوى مع القول ب( وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين )