١١ المجتمع بين الرحمة الذاهبة والقسوة الغالبة

١١ المجتمع بين الرحمة الذاهبة والقسوة الغالبة
00:00 --:--

المجتمع بين الرحمة الذاهبة والقسوة الغالبة

كتابة الاخت الفاضلة ليلى الشافعي 

          قال الله العظيم في كتابه الكريم : ( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ، أولئك أصحاب الميمنة )

        حديثنا بإذن الله تعالى بعنوان المجتمع بين رحمةٍ ذاهبةٍ وقسوةٍ غالبة والغرض فيه هو تقريب مفهوم الرحمة والتحريض عليه ومحاولة تطبيق بعض صفات القسوة على ما يجري في الواقع الاجتماعي .

الآية المباركة كما هو واضحٌ فيها تحريضٌ للإنسان المؤمن أن يصل إلى مرتبة المؤمنين الذين يتواصون بالصبر ويتواصون بالرحمة والمرحمة وأن هؤلاء هم أصحاب اليمين والميمنة . 

     فالرحمة كما عرفها وانتهى إليها صاحب كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم ، الشيخ المصطفوي وهو كتابٌ من الكتب النافعة لفئات متعددة ، ويصل هذا الكتاب في بعض طبعاته إلى عشرة أجزاء وهو مفيدٌ جدًا للمهتمين بالقضايا القرآنية ، ومفيدٌ ومهمُ أيضًا لطلاب العلم والخطباء ولعموم الذين يريدون أن يتعرفوا على مفردات القرآن الكريم واصطلاحاته وأبعادها .

وتعلمون أن التأليف في مفردات القرآن الكريم متعدد،  وربما من أقدم الكتب المشهورة والتي لا تزال متصدرةً للساحة كتاب مفردات الراغب للأصفهاني. ولكن كتاب المفردات بالقياس إلى هذا لا يشكل عشرين في المائة من حيث الحجم وبنفس المقدار تقريبا من حيث المضمون 

لأن كتاب المفردات  في حدود الجزئين وكتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم قريب من عشرة أجزاء والمضمون الموجود فيه أيضًا جامع لما جاء في مفردات الراغب وفي غيره .

    في هذا الكتاب عندما يتحدث عن الرحمة ينتهي إلى أن الرحمة هي تجلي الشفقة والرأفة والحنان في صورة أفعالٍ خارجية وقد تصاحب أحيانا الألم ومع ذلك يقال رحمة . فالطبيب مثلا عندما يقوم باستئصال غدةٍ خبيثةٍ من بدن المريض فهذا ولو كان يسيل دمه ولو كان يؤلمه بهذه الجراحة إلا أن عمله هذا هو عمل رحمةٍ بالنسبة إليه باعتبار أنه خلصه من أخطار وأمراض وهلاك . فليست دائمًا الرحمة حنان ظاهري بل أحيانًا قد تترافق حتى مع الألم ومع التعب ولكن نتائجها نتائج طيبة ، وبناءًا على هذا مثلًا ما هو موجود في تشريعات الدين من الواجبات التي تترافق أحيانًا مع التعب ، وتترافق أحيانًا مع شيء من المشقة على الإنسان كلها تدخل في( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرجٍ ولكن يريد ليطهركم ) وفي بعض الآيات الأخرى ( يرحمكم )

فمثلًا يصوم الإنسان فترة طويلة فيشعر بالجوع والعطش وألم في رأسه ولكن مع ذلك بمجموع هذا العمل العبادي الذي قد يترافق مع شيءٌ من التعب هو رحمةُ لك لأنه من جهةٍ هو جنةٌ من النار ومن جهةٍ أخرى هو كمالٌ للنفس وللشخصية في الدنيا .

فالرحمة هي ظهور الحنان والشفقة والرأفة من طرفٍ على طرفٍ آخر ، وقد تترافق أحيانًا مع شيءٍ من الألم وهذا لا يضر بالرحمة .

   هذا في العنوان العام للرحمة من الناحية القرآنية وعندما نأتي لهذا المصطلح وننظر إلى دائرة حضوره الديني في العقائد وفي صفات الأنبياء وفي صفات المؤمنين وفي ميزات المجتمع المسلم نجده لا يماثله مفهومٌ آخر من حيث تكرره في القرآن الكريم . فمثلًا الرحمة وما يرتبط بها من اشتقاقات كراحم ومرحوم يرحم رحمة مرحمة .. إلى غير ذلك هذه الاشتقاقات للفعل (ر ح م ) تتجاوز أربعمائة مورد في القرآن الكريم وهذا يبين كثرة ترددها في القرآن الكريم ويبين أيضًا مكانتها ، لأن هذا المفهوم الذي يتكرر دائمًا بهذا المقدار يبين أن هناك اهتمامًا من قبل منزل القرآن العظيم على أن هذا المفهوم بمقدار تكرره يتكرس ويتركز مفهومه في الأذهان والأفئدة . فمن ناحية تكرر هذه الكلمة واشتقاقاتها شيءٌ كثير يتجاوز الأربعمائة مورد وفيما يرتبط بصفات الله تعالى ذكرنا أن صفات الله تعالى لأنها كمالاته ولأنها جهات جماله وهي غير محدودةٍ فصفاته أيضًا وأسماؤه غير محدودة . آلاف ، عشرات الآلاف ، مئات الآلاف ، ملايين ، لا حدود لها . لأن الله سبحانه وتعالى ليس بمحدودٍ وذكرنا أنه ما ورد ( أن لله مائة اسمٍ من دعاه بها يحصل له كذا وكذا ) على فرض صحة هذه الروايات تريد أن تقول أن هذه المجموعة من الأسماء لها هذه الآثار وقد تكون مجموعة أخرى من الأسماء لها آثار أخر ، لا أن هذه الأسماء هي فقط أسماء الله عز وجل وأنه لا يوجد له أسماء أو صفاتٌ غيرها .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة