أحد علماء مدرسة الخلفاء أبو حامد الغزالي يقول حتى لو قبلناه هذا الكلام في البر والإثم فليس في كل مكان نقبله ، لماذا ؟ يقول لأنه يوجد بعض القلوب ذمة أصحابها واسعة جدًا ولا مشكلة لديهم في الحصول على ثروات الآخرين بدون أن يتأثروا أو يشعروا بالذنب ، والبعض على العكس يكون وسواسيًا يشكّك حتى في الماء المباح ، فكيف تقول لهذا استفتي قلبك وتقول لذاك استفتي قلبك في موارد الاشتباه .
الحكم معروف في التقليد أنّ المكلّف حين يجهل الحكم يجي أن يعتمد على قول الفقيه الذي يذهب إلى مصادر الأحكام الشرعية ويستنبطها ، والإنسان لابدّ أن يعتمد على قول الفقيه لأنّ قول غير الفقيه ليس حجة ً ولا يؤمن معه من الهلاك كما هو الحال في سائر الأمور ، فهل مريض القلب يذهب إلى البقال كي يعالجه ،أم يذهب إلى طبيب مختص حاذق فكلما عظم الخطر عظم أيضًا المتخصص ، وكذلك بالنسبة لمصير الإنسان الأخروي جنة ونار ، قبول أو ردّ للعمل هل يلجأ الإنسان إلى شخص عادي غير متخصّص؟؟ فهذا أولى من تلك.
وبعض من هذه الفرق الغريبة العجيبة من يقول لك نحن نأخذ من الإمام نفسه مباشرةً ولا نأخذ من الفقهاء ، ولكن كيف تأخذ من الإمام والإمام غائب ، وقد يأخذ عن شخص غير معروف الأصل ويدّعي بأنّ له اتصال بالإمام ويأتي بالأحكام وهو فاقد لأوليات الفقه والمعارف الدينية فكيف يصبح بابًا للإمام ، لكنّ الصحيح هو ما جرت عليه الإمامية وهو الرجوع للفقهاء والعلماء والمراجع في مسألة التقليد.
أدلة على وجوب التقليد
أولاً قاعدة عقلائية / رجوع الجاهل للعالم في كل أمرٍ من الأمور من دون حاجة إلى إبداء الأسباب والبراهين ، فالمريض يرجع للطبيب وغير المهندس يرجع للمهندس وغير العالم بالفقه والدين يرجع إلى عالم فقيه وهكذا .
ثانيًا/ انسداد بقية الطرق لأنّ طريق الاحتياط غير متيسر لعامة الناس ، وكذلك طريق الفقه غير متيسّر لكل شخص ، ولا يمكن الرجوع إلى الفقه الذاتي واستفتاء القلب والعمل وفق الهوى ، لأنّ هذا طريق غير آمن وغير منجي ، فيبقى ما ذكره القرآن الكريم ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) وقوله تعالى ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) ، ومن رواية يسأل أحدهم الإمام الصادق عليه السلام فيقول ( إذا حدث على الإمام حدثٌ كيف يصنع الناس، فقال أين قول الله عزّ وجل ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) قال : هم في عذر ما داموا في الطلب وهؤلاء الذين ينتظروهم في عذر حتى يرجع إليهم أصحابهم )١٠
أي يرجعون إلى الفقيه وهو يرشدهم إن كان هناك إمامٌ حاضر أرشدهم إليه وإن كان هناك إمامٌ غائب أرشدهم إلى أحكامه هذه هي الطريقة المعتادة ، وأما الروايات فيقول عنها المرحوم السيد الخوئي أعلى الله في الجنان مقامه يقول أنّ الروايات التي تشير إلى لزوم الاستفتاء من الفقيه وإلى حجية قول المفتي على المستفتي بالغة مرتبة التواتر الإجمالي ، فهي ليست أخبار آحاد ، بل هي متواترة أي صادرة عن المعصوم الذي اهتمّ بأمر الأحكام أبلغ الاهتمام فلا ينبغي أن يقصّر الإنسان فيها أو أن يتهاون اتجاهها .
الأئمة عليهم السلام ضحّوا بنفوسهم الزكية من أجل إقامة الدين ، وهذا الحسين عليه السلام يقول ( وعلى الإسلام السلام )١١ كان خوف الإمام الحسين على الإسلام ، هذا الإسلام الذي هو عبارة عن عقائد وأحكام وأخلاق ، والبنية الأساسية للإسلام هي العقائد ، وهذه العقائد ترشح الأحكام وتحفظها الأخلاق ، وهذا الذي ثار من أجله الحسين عليه السلام وكان مستحقًا لبذل نفسه وأهل بيته في سبيله.
---------------------------------
١ سورة النحل آية ٤٣
٢ سورة البقرة آية ١٧٠
٣ سورة يونس آية ٣٥
٤ سورة التوبة آية ٣١
٥ موسوعة الأخلاق
٦ سورة التوبة آية ١٢٢
٧ سورة الجاثية آية ٢٣
٨ سورة يونس آية ٥٩
٩ المكتبة الاسلامية
١٠ الكافي للكليني ج١ ص٣٧٨
١١ شبكة المعارف الاسلامية