تقليد الإمامية لمراجع الدين .. من أين؟
تفريغ نصي الفاضلة فاطمة الخويلدي
تصحيح الفاضلة أفراح آل ابراهيم
قال تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )١
حديثنا بإذن الله تعالى يتناول موضوع تقليد الشيعة الإمامية لمراجع الدين أصل هذا الحكم ومن أين أتى ؟
يذكر فقهاؤنا مسألة مهمة في رسائلهم العملية حاصلها أنّه يلزم على المكلف ما لم يكن مجتهداً ولا محتاطاً أن يقلّد مرجعاً في أحكامه الدينية ، وفي غير هذه الصورة لو لم تنطبق أعماله العبادية على من يجب عليه تقليده فإنّه في بعض الصور قد تكون تلك الأعمال محكومة بالبطلان .
موضوع التقليد كظاهرة شائعة عند الشيعية الإمامية لها مواصفات خاصة ، والحديث فيها يمكن أن يقع في أصل معنى التقليد ماهو ؟ و من أين نشأ ؟ ومتى نشأ هذا الأمر؟ وما هي جهات لزومه و الأدلة التي تشير إلي وجوبه.
معنى التقليد
١/ التقليد من الناحية اللغوية بمعنى وضع القلادة ، و تقليد على وزن تفعيل ، وهو عبارة عن وضع قلادة من قبل شخص على شخصٍ آخر في رقبته ، يقولون: زار الرئيس الفلاني البلد الفلاني فقلّده وسام الاستحقاق يعني جعل عليه هذه القلادة أي ألبسه إياها .
٢/ التقليد من ناحية الاصطلاح
التقليد في كلمات الفقهاء والذي هو محور حديثنا يقولون بأنّه العمل بفتوى الغير وهو الفقيه من دون مطالبة بالدليل ، فأنت تقوم بتنفيذ قول الفقيه من دون أن تطالبه ببرهانٍ على ذلك ، قد يقول لك مثلاً إذا شككت بين الثلاث والأربع فابني على الأربع ثم إأتي بركعة احتياط ثم سجدتي سهو ، وأنت تقوم بهذا العمل من غير مطالبته بالدليل أي لا تقول له ما هو دليلك على ذلك و على أي رواية استندت ؟ وعلى أي قاعدة اعتمدت؟ ، وهذا معنى التقليد العمل بقول الخبير وهو هنا الفقيه من دون أن تطالبه بالدليل ، والنقاش يكون في البحوث العلمية كمناقشة الأدلة وهذا ليس بتقليد .
بعض العلماء يقولون هو الاستناد إلى قول الفقيه ، ولكن هذا حيث أنه بحثٌ علميٌ تخصصيٌ ما هو الأثر إذا قلنا هو العمل بفتوى الفقيه أو هو الاستناد وما هي الآثار المترتبة على الاختلاف في التعريفين ؟ ، نقول بأنّ مجال البحث في هذا الموضوع يناقش في بعض الحلقات التخصصية ولا يستوعبها الحديث هنا ، فإذن العمل بفتوى الفقيه من غير مطالبته بدليله أو برهانه هذا ما يسمى بالتقليد ، وهذا التعريف موجود لدينا في العرف ، كأن تقول مثلاً الولد يقلّد أباه في مشيته حيث تراه في سن معين ينظر إلى مشية أبيه ويقلده في طريقته دون أن يعلم لماذا أبيه يعمل هكذا ، هو فقط هو يقلده في ذلك العمل ، وتلك الفتاة تقلد والدتها في طريقة حديثها دون أن تعلم لماذا تتكلم والدتها بهذه الطريقة ، ولكنها في سن الست أو السبع سنوات تحاكي وتقلد والدتها في كيفية حديثها ، وهذا المعنى العرفي نفسه المعنى الديني حيث العمل بقول الفقيه وحكمه من غير مطالبته بالدليل .
تاريخ نشأة التقليد
بعض الكتّاب والباحثون يثيرون مسألة بعيدة عن الصحة حول تاريخ التقليد ويقولون بأنّ التقليد عند الشيعة قصير العمر حيث أنّه نشأ في زمن الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة ألف ومئتين وثمانين للهجرة ، بمعنى أنّ التقليد لدى الشيعة عمره قصير أي حوالي مئة وستين سنة فقط ، ولكنّ هذا الكلام بعيدٌ عن التحقيق والحقيقة حيث نعتقد أنّ قضية التقليد تارة يتحدثون عنها بما هي في الحياة البشرية عامة ، أو بما هي في خصوص الأمر الديني في حياة الناس ،فإذا كان الحديث عنه في الحياة البشرية عموماً فمنذ بداية البشرية قد ركّز في عقل الإنسان وفي فطرته أن يرجع إذا لم يكن عالماً بشيء إلى من هو أعلم منه ، وفي الزمان الذي كان الإنسان يعيش فيه على صيد الحيوانات في العصور الحجرية كما يقولون إذا تواجد شخص من القبيلة أو الجماعة عالم بفنون الصيد وأساليبه فإنّ بقية أبناء القبيلة يأخذون بكلامه ويرجعون إليه ويعملون بما يقول ، وكذلك في الزراعة إذا نبغ شخص في معرفته بالأمطار ومواسمها ، وبالبذور وكيفية استنباتها، وحراثة الأرض وكيفية زراعتها ، فإنّ الناس يرجعون إليه ويستفيدون من خبرته في هذا المجال .
وكذلك في العصور الحديثة نرى أنّ نظام الحياة الإنسانية قائمٌ على التقليد ، فإن أصيب أحدهم بمرض لا سمح الله فإنه يذهب مباشرة للطبيب المختص ويشرح له حالته ويسأله ماذا يصنع ويعطيه الدواء المناسب فيأخذه دون أن يسأل عن سبب إعطائه لهذا الدواء وما هو الدليل على فاعلية هذا الدواء في مرضه ، لأنّ هذا الطبيب خبير في مهنته ، فهذا يسمى تقليد ، وكذلك لو كان لديك جهاز بحاجة للإصلاح فإنك تذهب به للخبير المختص ولا تسأل عن كيفية إصلاحه بهذه الطريقة أو بتلك الطريقة إذ هو خبير بما يفعل .
وكذلك على المستوى الديني الإنسان يذهب إلى النبي والرسول باعتبار أنّ الرسول دليلٌ على الله سبحانه وتعالى ، والأئمة أدلاء على صراطه ، هم يعرفون طريق الجنة ويعرفون طريق رضا الله سبحانه وتعالى وهم من يذهب لهم البشر ويأخذون بكلامهم.
المقلّد ليس بحاجة لأن يسأل النبي أو الإمام عن دليل الصلاة وأنّها عمود الدين ، أو عن الصوم وكونه جنة من النار ، أو عن الحج وفلسفة أحكامه.. وهكذا..
وكذلك الحديث بالنسبة للفقيه بحكم خبرته وفقاهته في الدين ومعرفته بأحكامه يأخذ المكلّف أحكامه منه بمجرد ما أن يبلغ سن التكليف وذلك بظهور العلامات المعروفة كإكمال سن الخامسة عشر لدى الذكور وإكمال سن التاسعة لدى الإناث، وظهور الاحتلام لدى الذكور ونزول الدورة الشهرية لدى الإناث ، هذه العلامات تعني البلوغ وبالتالي يتوجّب عليهما مجموعة من التكاليف الشرعية كالصلاة والصوم والحج ، ومجموعة من المحرمات كالغيبة وشرب الخمر والعلاقات المحرمة ، وللعمل بهذه الأحكام الشرعية لابدّ فيها من التقليد والاستناد إلى قول فقيه في كل عمل يريد أن يقوم به المكلف من وضوء وصلاة وغسل
تريد مثلًا أن تغتسل غسل الجمعة وتذهب للصلاة بدون وضوء أم يلزم أن تتوضأ ، هذه المسألة محل اختلاف، فهناك من العلماء من يقول بأنّ غسل الجمعة كسائر الأغسال المستحبة لا يجزئ عن الوضوء فلو صليت بغسل الجمعة بناءً على رأي هذا الفقيه فصلاتك غير صحيحة ، وهناك من الفقهاء ولعلهم الأكثر يذهب إلى أنّ الأغسال الواجبة تكفي عن الوضوء وكذلك الأغسال المستحبة التي ثبت استحبابها كغسل الجمعة يكفي ويغني عن الوضوء ، فأنت قبل أن تغتسل هذا الغسل يجب أن تحدّد الفقيه الذي سترجع إليه في تقليدك ، وكذلك في جميع أحكام الصلاة والصوم والزكاة ينبغي الرجوع إلى الفقيه المجتهد الجامع للشرائط.