الطريق الثاني
لا يتخصّص الإنسان في الفقه بل يكون محتاطًا ويرى في المسألة الفلانية كم رأيٍ ورد فيها أثنين أم ثلاثة فيتّبعها كلها ، مثلاً في غسل الجمعة يغتسل ويتوضأ احتياطًا ويعمل بكلا الأمرين فيكون محتاطًا ، وكذلك في مسألة كثير السفر من كان يسافر لا للعمل عشر سفرات فصاعداً يوجد بعض الفقهاء يقولون أنّه يجب عليه التمام في كل أسفاره أو شخص متقاعد مثلًا ويذهب لأصدقائه في الأحساء وبعدها للخبر ثم رأس تنورة وكل هذه الأسفار ليست للعمل أكثر من عشر مرات إذن هو كثير السفر.
وكذلك بالنسبة للصوم بعض الفقهاء يقولون إن كان هذا الشخص مسافرًا للعمل فهو يتم الصلاة ويصوم ، أما إن كان مسافرًا للنزهة فلا يجب عليه الاتمام والصوم ، ومن يعمل بالاحتياط هنا يجمع بين الأمرين يصلي قصرًا وتمامًا ويصوم ثم يقضي أيضًا .
وهكذا في سائر الأعمال المختلف فيها يعمل بالاحتياط ، فلو فرضنا بالنسبة لرؤية هلال العيد نرى بعض العلماء يجوّزون اثبات الهلال بالتلسكوب ، والبعض لا يجوّز ذلك فماذا يصنع هذا المحتاط ؟ ، يجب عليه الإفطار على الرأي الأول ويحرّم عليه الصيام على الرأي الثاني فماذا يفعل في هذه الحالة ؟ الحل أن يقطع مسافة لكي يجوّز لنفسه الإفطار. وهكذا ..
نرى أنّ أمر الاحتياط صعبٌ وقد يصل إلى التعسّر لا سيما إذا كان بالنسبة إلى عامة الناس ، قد يكون أحدهم متفرّغًا ويستطيع الجمع بين أمرين ، لكنّ عامة الناس لا يستطيعون ذلك .
الطريق الثالث
أن تستفتي قلبك ، وترى الشيء الذي يأتي في ذهنك فتعمل به ، البعض من الناس يعملون برأيهم ويفتون حسب أهوائهم وحسب ما تقتضيه مصلحتهم ، فإن رأوا بأنّ فتوى المقلد الفلاني صعبة تركوها ، وأخذوا برأي آخر أو برأيهم وهكذا بالتدريج حتى يصبحون ممّن قال عنهم تعالى (أفرأيت من أتخذ إلهه هواه )٧ وقد يصل الإنسان إلى مرحلة الافتراء على الله ، قال تعالى ( قل أألله أذن لكم أم على الله تفترون )٨
هل أذن لإنسان أن يصلي بتلك الطريقة أم بهذه الطريقة ، ومن أين أتيت بها من نبي أو وصي ، هل تستطيع أن تكون آمناً في يوم القيامة من السؤال هل أذن الله لك أن تصلي بهذه الطريقة ، هل أذن الله لك ان تغتسل بهذه الطريقة ، كلا فأنت لست بوضعٍ تحمد عليه ، ربما يقول أحدهم هذه قضية شائعة استفتي قلبك ، ويستدلّون برواية موجودة في مصادر غير الإمامية في مسند أحمد وفي سنن الدارمي نقلها السيد الطباطبائي صاحب الميزان في الميزان أيضاً عن وابصة أحد أصحاب النبي ( قال : أتيت رسول الله فقال : جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم، فقال : استفت قلبك ، البر ، ما اطمأنت إليه النفس ، واطمأنّ إليه القلب، والاثم،: ماحاك في النفس ، وتردّد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك )٩
الإثم هو الذي يتردّد في صدرك ويحوك في قلبك ولا يستقر ، أما البر فهو الخير و هو الذي تطمئن إليه النفس وتستقر عنده فأنت استفتي قلبك في الأمور وإن أفتاك الناس .
البعض قد يقول نحن لسنا بحاجة لسؤال العلماء والفقهاء والمراجع ؛ لأنّ النبي يقول استفتي قلبك فنحن إذا عرض علينا أمرٌ نستفتي قلوبنا ، هذا فهم غير دقيق لكلام رسول الله حيث أنّ كلامه لا يرتبط بالأحكام الشرعية لأنها لها شروطًا وأحكامًا لا دخل لها بقلب الإنسان ، إنّما قلب الإنسان يرتبط فيما يعرف حكمه لكن لا يعلم كيف يطبّقه، مثلا لو افترضنا أنّ أحدهم عمل حادث سيارة وليس لديه تأمين وقال سأجعل صديقي يكون هو المسؤول عن الحادث لأنّ لديه تأمين ، هنا هل يعتبر هذا الأمر سرقة أم لا ، هنا نقول استفتي قلبك لو كنت أنت صاحب شركة التأمين هل ستقبل بهذا العمل ؟ ، وكذلك لو كنت أمين مستودع مثلاً وتحت تصرفك وقلت لأحدهم نحن محتاجون فما رأيك أن نقتسم الأغراض هل هذا حلال أم حرام ، هل هو من حقنا أم لا ، هنا ارجع لقلبك واستفته ، أما في قضايا أحكام الشرع فلا استفتاء فيها للقلب ، الأحكام الشرعية إما حلال أو حرام ، إما يجوز أو لا يجوز.