من أين نشأ التقليد
نلاحظ أنّ القرآن الكريم تحدّث عن تقليد الأمم السابقة لبعضهم البعض ، ولذلك يعجب الإنسان عندما يرى بعض المثقفين الدينين يقولون بأنّ عمر التقليد هو مئة وخمسون سنة فقط.
القرآن الكريم تحدّث عن ظاهرتين من ظواهر التقليد سيئتين ، ومعنى ذلك أنّ باقي الظواهر هي على القاعدة ، حيث يستدلّ العلماء على أنّه إذا نهى القرآن عن جانب ولم ينهى عن الآخر يعني بأنّ هذا الآخر واجب ومطلوب .
وفي قضية الإتباع و التقليد نجد أنّ القرآن الكريم نهى عن أمرين أما ما عدا ذلك لم ينه :
الأمر الأول
جاء في القرآن الكريم النهي عن تقليد الآباء غير العالمين ، قال تعالى (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون )٢
النقد هنا ليس موجّه لأصل التقليد إنمّا موجّه لتقليد أبٍ لا يعقل ولا يهتدي ، أما إن كان يعقل ويهتدي ولديه خبرة فلا مانع هنا من تقليده ، قال تعالى ( أفمن يهدي إلى الحق أحقّ أن يتّبع)٣
القرآن الكريم ينهى عن تقليد الآباء خاصة لشدة القرابة هنا وإن كانت تربط الإنسان بهم صلة قوية إلا أنّ ذلك ليس دافعًا لتقليدهم إن كانوا يفتقدون للخبرة وإن كانوا أصحاب حق ، فكيف بالغرباء الذين لا يملكون خبرة ولا تخصصًا ولا دراية بالأمور ولا يملكون سبيلًا من سبل الهدية.
الأمر الثاني
نهى عن المبالغة في إتباع من يقلدونهم إلى درجة مخالفة الحق ومجانبة الهدى والصواب ، فهذا الأمر ليس مطلوب منهم ، كما حدث في قصة بني إسرائيل ، قال تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم )٤ لقد اتّخذوا من المسيح ربًا ، وفي قصة حدثت بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين عدي بن حاتم الطائي، كان عدي ممن أسلم وآمن وأصبح من خلص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وضحى بأولاده الثلاثة بين يدي أمير المؤمنين سلام الله عليه ، حيث كان في سابق عهده على دين المسيح وكان من الأحبار أي أنّه ذو خبرة بالدين المسيحي ، يروى أنّ له أختًا يقال لها سفانة وهي امرأة عاقلة ولبيبة وذات حكمة ، عندما هرب حاتم أتت به ونصحته أن يستمع لحديث رسول الله ويرى إن كان ما يقوله الحق أم لا ، وبالفعل جاء لرسول الله حيث دعاه إلى الإسلام فقال له :أنا لدي دين وأنت أتيت لتدعو هؤلاء الناس الوثنين الذين يعبدون الأصنام ، بينما أنا لدي نبي وهو نبي الله عيسى ولدي كتاب وهو الإنجيل ولدي دين وهو المسيحية ، إذن أنا لا أحتاج إلى دينك، فقال له رسول الله أنا أعلم بدينك منك ، قال أنت أعلم بديني مني!، قال له بلى أنا أعلم به منك ، فأخذ رسول الله يسأله في مسائل كثيرة و عجز عن إجابته ، وسأله عن هذه الآية المباركة ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله )
فقال عدي: يا رسول الله لم نتّخذهم أربابًا ، قال : بلى أليس يحلّون لكم ما حرّم الله فتحلونه ، ويحرّمون عليكم ما أحلّ الله لكم فتحرّمونه ؟ فقلت : بلى ، قال : تلك عبادتهم )٥
هذا التقليد المنهي عنه أن يصل لحد المخالفة والعبادة فإن أمر الله بشيء حلال وأتى أحدهم وقال أنّه حرام واتبعه الآخرون فهذا الاتباع يعتبر عبادة ، لذلك انتقد القرآن الكريم هذا النوع من التقليد ، أما لو كان في إطار الدين وفي إطار القيم الدينية فأنت مأمورٌ باتباعه والسير خلفه .
ما الذي يلزمنا في التقليد ؟
يلزم على كل مكلف أن يكون مقلداً لفقيهٍ جامع الشرائط ، ويلزمنا انتفاع الطرق الأخرى أ ي اتباع الطرق الأخرى ، إن كنت تريد مثلاً أن تذهب إلى مكان ما و يوجد طريقين أحدهما مغلق ، فأنت مضطر إلى أن تسلك الطريق الأخر ، كذلك الإنسان المسلم أمامه مجموعة من الواجبات و مجموعة من المحرمات والطريق إلى الجنة أمامه لكي يصل إلى هذه الواجبات ويترك تلك المحرمات ، و أحد طرق الوصول:
الطريق الأول / أن يصبح الإنسان بنفسه متخصصًا في معرفة هذه الأشياء ، ويكون فقيهًا ، ينظر في روايات الوضوء مثلاً وفي الآيات والقواعد الفقهية إلى أن يصبح لديه رأي حول الوضوء ويعمل برأيه ، وكذلك بالنسبة للأحكام الأخرى ، ولكن هل يستطيع عامة الناس وأغلب الناس أن يحصلوا على مثل هذا الأمر ؟ ، بالطبع كلا ، هذا الأمر كأمر الطب هل نستطيع أن نقول للناس لا تذهبوا للأطباء وكل واحد منكم ليكن طبيب نفسه ويبحث عن علاج أمراضه ، بالطبع لا نستطيع ، ولو كلفنا كل شخصٍ أن يصبح طبيب نفسه لتعطّلت الحياة الاجتماعية ، لأنّ دراسة الطب تحتاج إلى دراسة طويلة أقلها سبع سنوات ، وكذلك بالنسبة للهندسة والميكانيكا ، وكذلك بالنسبة للفقه ، يقول القرآن الكريم (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة )٦ لو خرج من كل مجتمع عدد من الناس للتفقّه لكان ذلك كافيًا ، لأنهم لو نفروا جميعاً للوصول إلى مستوى الفقاهة لتعطّلت الحياة الاجتماعية ، إذن هذا الطريق أمر غير متحقّق وليس ممكنًا لعموم الناس ، إذ يؤدي لتعطّل النظام الاجتماعي.