فيأتي النبي أو الإمام، فيخطب امرأة ظاهرها الصلاح، وقد تبقى على صاحبها، وقد تتكشف عن امرأة أخرى، كأن تكون خارجية مثلاً، فيعرف المعصوم ذلك مع المعاشرة وطول الحديث والكلام وما شابه ذلك. على سبيل المثال، كيف يعرف الإمام الجواد (ع) أن أم الفضل عندها حالة غير طبيعية من الغيرة والأنفة، والشعور القومي الاستعلام على غيرها؟ إذاً لا بد من المعاشرة. وكذلك بالنسبة إلى زيجات رسول الله (ص)،كانت لأغراض مختلفة، فقد قبض النبي (ص) عن تسع نساء، وقد لا تجد امرأتين من نسائه يتشاكلان في الغرض من الزواج بهن. فهناك امرأة حبشية لا سند لها، كان الغرض الأول من الزواج بها هو الرعاية والحضانة لها، وحالتها لا تشبه غيرها. وأخرى قد يكون الغرض من الزواج بها هو من أجل أبيها أو أهلها أو ما شاكل ذلك، وأخرى لأنها امرأة كبيرة في السن وليس لها عائل ولا أهل ولا عشيرة. وكذا الحال ينطبق على أئمتنا (ع).
ثانياً: وهي قضية اجتماعية معاصرة لنا، وهي أنه لا ينبغي من الزوج أو الزوجة أن ينفصلان عن نصفهما الآخر لأي سبب عابر ودون روية وصبر ونصح وإرشاد. كأن يأتي الزوج مثلاً فيقول: كانت زوجتي في بادئ الأمر ملتزمة، وأصبحت الآن لا ترتدي الجورب عند الخروج من المنزل، لذلك أفكر في أن أطلقها. عجباً، أتطلق زوجتك، ولا سيما إن كانت لديكما ذرية وأسرة لأنها تركت لبس الجورب؟ نعم يجب على المرأة أن تستتر عن الأجانب، ومن جملة ذلك أن تغطي قدميها بالجورب أو الثوب الطويل أو بطريقة أخرى. ولو افترضنا أيها الرجل أن امرأتك تركت لبس الجروب، لكن أين الأمر بالمعروف والموعظة والإرشاد منك لها، والصبر عليها، ومحاولة هدايتها؟
فالقرآن الكريم يذكر لنا قصة النبي نوح عليه السلام الذي صبر على زوجته طيلة مدة الدعوة. فإن صح أن فترة دعوته كانت ٩٥٠ عاماً (... فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا...) (٨). فهل كانت هذه المدة هي فترة الدعوة، أم الفترة العامة كاملة؟ ولكن على أي حال إن قدرنا أن فترة الدعوة كانت ١٠٠ سنة على أقل تقدير وذلك بحسب أعمارهم في تلك الأزمنة، وكانت زوجته على طريقتها من الانحراف وعدم الإقبال، وعندما جاء النبي نوح (ع) بالدعوة لم تبالي ولم تستجب له ولم تقبل منه. لكن نبي الله لم يتركها أو يطلقها، بل بقيت معه وحافظ عليها برغم أنها لم تكن مطيعة لله. ولذلك ورد في بعض الآثار أن نوحاً (ع) سئل أن يا نوح إن زوجتك منحرفة، لا تعبد ربك ولا تطيعك ولا تستجيب لك في أمور الدنيا، وأنت نبي الله، فلم لا تطلقها؟، كما يحصل في زماننا هذا حيث أصبح الطلاق سهلاً بل وبتشجيع من والدي الزوجين في بعض الأحيان ، فقال النبي نوح كلاماً بالغ الحكمة، قال إن الله لا بد أن يبتلي عبده ببلاء، فأن يكون ابتلائي بأحد هو تحت يدي، خير لي من أن يكون ابتلائي بأحد أنا تحت يده. فالدنيا دار كدر وابتلاء ولا يمكن أن تصفو لأحد، لكن الابتلاء بسلطان ظالم جبار كافر متسلط (مثلاً) يعذبك ويلحق بك الأذى، ولا طاقة لك به، هو أشد من الابتلاء بامرأة هي تحت يديك في كل الأحوال، بيدك أن تأمرها وتوجهها كما أن نفقتها بيدك.
لذلك عزيزي المؤمن، إن كان لدى زوجتك بعض المناكفة لك، فهذا أمر سهل، ولا تعتقد أنه إن حصل الطلاق بينكما فستنتهي المشكلة، بل قد يبدأ ابتلائك في مكان آخر فأنت عرضة للبلاء في هذه الدنيا، وقد تبتلى بمن تكون أنت تحت يديهم، بأشخاص يطالبوك بأموال عليك، بظالم يؤذيك، بجار يجعلك تكره حياتك بأذاه. ولا ينبغي بعد هذا أن يطلق شخص ما زوجته بحجة أنها ترفع صوتها عليه أو لا تزور أهله أو لا تطبخ إلخ. فزوجتي النبيين نوح ولوط (خانتا) زوجيهما في غير أمور العرض والشرف كما أسلفنا، لكنهما بقيتا معه.