دخل أمير المؤمنين على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده فلما رأى سعة داره، قال: ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا اما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف وتصل فيها الرحم وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد قال: وما له قال: لبس العباء وتخلى من الدنيا قال: على به فلما جاء قال يا عدى نفسه لقد استهام بك الخبيث اما رحمت أهلك وولدك أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها أنت أهون على الله من ذلك قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك قال: ويحك فقال إني لست كانت إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيغ بالفقير فقره.[١٤]
فصار عاصم أخو العلاء بن زياد عنده توجه روحي وترك كل شيء وانكفأ، وهذا ما نلحظه من بعض الناس عندما يتحول إلى هكذا توجه لا تلبث حياته إلى أن تتبدل إلى اتجاه آخر، بمعنى إذا كان متطرفاً في الأمور الروحية، فتوقعه بعد ستة أشهر أو أكثر أو أقل يتحول تحول سيئ في القضية الدينية، وهذا ما أثبتته التجربة.
فجاء أخوه العلاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، شاكياً حال أخيه الذي ترك أهله وعياله وزوجته وبيته وذهب، قائلاً : أريد أن أعتكف وأصلي وأصوم والله يتكفل برزق هؤلاء. قال له: وماله - من يقوم على أهله وينفق عليهم- قال له: أنا، أحمل لهم الطعام والماء. قال له: أنت خير منه عند الله.
أنت الذي تكون صلاتك صلاة عادية، أفضل عند الله تعالى من ذلك الذي عنده اعتكاف وصلاة وتبتل وتهجد وهو لا يهتم بأمور أهله. فطلبه أمير المؤمنين فجاؤوا به فقال له: لقد استهام بك الخبيث- يعني خدعك الشيطان بهذا الفعل - اما رحمت أهلك وولدك أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها أنت أهون على الله من ذلك ، قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك قال: ويحك فقال إني لست كانت إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيغ بالفقير فقره.[١٥]
أنا ينبغي عليّ أن أواسي نفسي بأضعف الناس باعتباري قدوتهم وإمامهم، وليس هذا مطلوب منك، أنت عليك مسؤولية تجاه أهلك وتجاه عشيرتك وتجاه أولادك وبناتك لا بد لك من تحملها.
ثلاث أحبها الرسول: الطيب... النساء... الصلاة
رسول الله صلى الله عليه وآله في الوقت الذي كان بهذه الصورة من العبادة، أيضا يقول: ( حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُم الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ وُجُعِلَتْ قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلَاةِ ). فليس يعني أني أنا رسول الله وأعبد الناس وعبد الله يجب علي ترك كل الأمور المادية وما أحله الله وأذهب للرهبنة. إنما هذا في مكانه، الجهاد في مكانه، الإرشاد في مكانه، التعليم في مكانه، النساء في مكانها، الطيب في مكانه، الجمال والتزين في مكانه، بالتالي كل جهة من الجهات كان يعطيها رسول الله صلى الله عليه وآله حقها بالكامل ، وهذا هو الفن وهذا هو الإعجاز. أما أن يقوم شخص ويتعلق بالزينة فقط تاركاً العبادة، فليس صحيحاً. أو عكس ذلك، بأن يتوجه للعبادة تاركاً أمر بيته وأهله وعياله، فهذا غير صحيح أيضاً. التوازن في كل شيء هو الذي يصنع من الإنسان الشخصية الرسالية العابدة التي أرادها رسول صلى الله غليه وآله في كل مكان يعطيه حقه تماما.