فالنبي صلى الله عليه وآله كان يعتكف وكان يصوم، وربما أوصل بالصيام شهر شعبان بشهر رمضان، وينقل عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان أيضا يصوم صوم الدهر، وهو ثلاثة أيام من كل شهر، في أوله ووسطه وآخره، كما ورد في روايات أئمة الهدى عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقوم بهذا العمل، ومن قام به فكأنما صام الدهر كله.
وهذا في معادلة بسيطة وواضحة، ثلاث أيام من كل شهر، فبتالي أنت تصوم وكل حسنة بعشر أمثالها، يعني ثلاثون يوم، ثلاثون يوماً تعني طوال السنة أنت في حالة صوم، بمعنى أنك طول الدهر وطول حياتك أنت صائم إن مارست هذا الأمر.
فالنبي صلى الله عليه وآله مع أنه كان يمارس مثل هذه الأعمال العبادية ويكثر منها، إلا أنه في نفس الوقت يوضح لنا أن القضية ليست بالكثرة بقدر ما هي مرتبطة بالصورة الحقيقية للعبادة وهي التفكر في أمر الله.
النبي صلى الله عليه وآله القدوة الصالحة في التوازن العبادي
قسم من الناس إذا تسمع عنه مثلا أنه يصوم كثيراً أو يصلي كثيراً أو يتعبد كثيراً، معناه أن هذا الإنسان لا شأن له بأسرته ولا بقضيته الاجتماعية ولا بقضيته السياسية ولا بنشاطه ولا بتجارته ومعاشه ولا ولا...الخ
النبي صلى الله عليه وآله مع كل هذا العمل العبادي كان متوازناً، يضع كل شيئ في موضعه. جاء جماعة إلى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله ، فسألوا زوجاته عن عبادته، فذكرن لهم: أنه مثلا يقوم نصف الليل أو دون ذلك، بمقدار من الركعات، فاستقلوا الأمر، كأن النبي صلى الله عليه وآله ليس عابد بالدرجة الكاملة مثلنا.
أحياناً الإنسان عندما يشعر في داخله أنه شيئء عظيم من خلال عبادته وأنا لديه رصيد كبير الصلاة والصيام والزكاة ، وأنه صاحب منة على الله ، فَقَد حقيقة العبودية. لذلك يجب على الإنسان أن يعتقد في داخله أن كل عمل يقوم به، إنما هو بتوفيق الله تعالى وبفضله ومنّه، ( أَصْبَحْتُ وَأَمْسَيْتُ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي خَيْرًا وَلَا أَدْفَعُ عَنْهَا ضرًّا )، فهذا لا بد أن يكون شعار الإنسان وأنه ليس بشيئ إلا بالله عز وجل، وكل خير هو من الله عز وجل وكل شر مدفوع بالله عز وجل.
فهؤلاء كأنما استقلوا عبادة النبي صلى الله عليه وآله ، وفي هذه الأثناء جاء النبي صلى الله عليه وآله ، فذكروا له شيئا من عبادتهم، فقال أحدهم: أما أنا يا رسول الله، فإني أصوم النهار طيلة الشهر، وقال آخر: أما أنا يا رسول الله فقائم طوال الليل. أتعبد وأصلي وأركع وأسبح وغير ذلك. وقال ثالث: أما أنا فقد اعتزلت النساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ( إنِّي لَأَعْبَدُ مِنْكُم ) - أي أنا أكثر عبودية وأكثر عبادة منكم- ( وَلَكِنِّي أَصُومُ وَأَفْطِرُ وَأَقُومُ وَأَنَام ُوَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي).
الشيطان أحياناً يزيّن لك عبادة خاصة
المشكلة أن في قسم من الناس إذا صار لديهم مثل هذا التطرف، مثلاً امرأة تريد الاعتكاف وأن تكون متعبدة، فتترك زوجها وتترك أولادها، وتنبهها بحق الزوج عليها وأنه هو الواجب وذاك المستحب، وأنه لا يجوز للمرأة أن تذهب للاعتكاف إلا بعد إذن زوجها. وإذا تعارض المستحب مع الواجب، لا شك أن المستحب هو الذي يترك، فنحن ننصح الأزواج بأن يسمحوا قدر ما يستطيعون لزوجاتهم، والآباء لبناتهم، أن يذهبن لهذه البرامج الروحية والعبادية، لأنها تربي هذا الإنسان، فينعكس هذا على البنت أو على الزوجة دنيوياً وأخروياً في صفاءها، في حسنها، في إشراقة روحها، فنحن ننصح بهذا. ولكن في نفس الوقت يجب أن لا تكون الأمور العبادية وعموم الأعمال الدينية طريقاً للفرار من المسؤوليات المنزلية والحقوق والواجبات الزوجية، وهذا ينطبق على الرجال أيضا.