هذا فقط من خلال هذه الآيات المباركات التي أمر النبي صلى الله عليه وآله بالتفكر فيها. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وآله لا يعتبر العبادة فقط هي الصلاة، وإنما هي تفكر في البداية، تفكر في أمر الله في عظمة الله في خلق الله في المصير الذي ينتهي إليه هذا الإنسان. فبعد ذلك يتأثر هذا الإنسان بذلك التفكير فيقوده ذلك إلى القول (ربنا ما خلقت هذا باطلا)[١١].
تصحيح النبي صلى الله عليى وآله لمفهوم العبادة
النبي صلى الله عليه وآله أراد أن يصحح مفهوم العبادة، وأن العبادة ليست مجرد الصلاة والصيام، هما جزء من العبادة ولكن هناك أيضا أجزاء أخرى، إن لم تَفُق هذه أهمية، فهي لا تقل عنها، يقول الإمام ( وَكُلُّهُمُ نُورٌ وَاحِدٌ وَيَنْبَعُونَ مِنْ مَنْبَعٍ وَاحِدٍ"، يقول: لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ - أي كمال العبادة - بِكَثْرَةِ الصَّلَاة ِوَالصِّيَامِ إِنَّمَا هِيَ بِكَثْرَةِ التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ). هذا مع أن النبي صلى الله عليه وآله كان أيضا مكثراً من الأمور العبادية، بمعنى كان مكثراً من الصلاة ومن الصوم، كما كان صلى الله عليه وآله مكثراً من قيام الليل وقد أوردنا على هذا مثالاً، إلى الحد الذي تؤثر صلاته على منامه ومشاركته لزوجته، إلى أن جاءت الآية المباركة (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)[١٢]، فكان في البداية يقوم أكثر الليل ثم صار بعد ذلك إلى النصف وأقل من النصف، وكان يقوم رسول الله صلى الله عليه وآله أن أكثر من ذلك حتى قيل أنه تفطرت قدما رسول الله صلى الله عليه وآله من كثرة القيام بالليل حتى أنزلت عليه الآيات المباركات، مثل (طَه َ مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[١٣] وما شابهها.
فالنبي صلى الله عليه وآله في نفس الوقت الذي كان يقول أن العبادة ليست لها صورة واحدة وهي الصلاة أو الصيام فقط، وإنما هي لها صور متعددة، منها صورة التفكر في أمر الله تعالى ، منها صورة الاعتكاف والتي هي سنة من السنن التي بحمد الله بدأت تنتشر في مجتمعاتنا في هذه الفترات، وهي سيرة الصالحين سابقاً، وكان النبي صلى الله عليه وآله يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان فيما نقل من خبره، والاعتكاف كما هو واضح لديكم أن يلبث الإنسان في مسجد من المساجد الأربعة: المسجد الحرام، المسجد النبوي، مسجد الكوفة، مسجد البصرة، وهذه يجمعها أنه صلى فيها نبي أو وصي نبي، وأيضا يجوز الاعتكاف في هذا الزمان في المسجد الجامع في البلد، والمسجد الجامع ليس المقصود به أنه مخصص لفئة معينة أو جماعة خاصة أو لجهة خاصة، وإنما هو للجميع دون استثناء، فهو عام لكل أهل البلد يستطيعون أن يمارسوا فيه عبادتهم، فباستطاعة الإنسان أن يبقى في مثل هذا المسجد لثلاثة أيام يكون صائما نهاره، ومنشغلاً بالعبادة في ليله ويترك متعلقات الدنيا بما فيها الممارسات الزوجية، فالإنسان الصائم في النهار يحرم عليه المعاشرة الجنسية، بينما المعتكف حتى في الليل يحرم عليه، بل ما دون المعاشرة الكاملة على الاحتياط في سائر الاستمتاعات الجنسية أيضا، فلا يجوز له هذا، وهو يشبه تروكات الإحرام في الحج.
أيضا فيه ميزة أخرى وهي أنه لا يصح أن يقوم بأعمال البيع والشراء وسائر المعاملات التجارية المختلفة ما دام معتكفاً سواء في الليل أو النهار، وهذا ليس موجود لا في الصيام ولا في تروك الإحرام، هذا خاص بالاعتكاف، فالاعتكاف أن لا ينشغل بأمر بيع أو شراء أو سائر المعاملات الدنيوية التي تدخل في ضمن هذا الإطار وأن يكون طول وقته في المسجد إلا أن يخرج لحاجة ضرورية ذكرها الفقهاء في مواضعها، أن لا يتزين، لا يتعطر، لا يشم الرياحين، وهذا أيضا تشبه تروك الإحرام سواء في النهار أو الليل، مع أن الصيام دون اعتكاف يستحب فيه التعطر والتطيب، لكن إذا صار الإنسان معتكفا لا يتعطر ولا يتطيب، وكأن هذا الإنسان ينتقل من حالة بهرجة الدنيا واهتماماتها ولذائذها في فترة ثلاثة أيام إلى مسجد يعتكف فيه ويتفكر في أمر الله عز وجل ويتعبد إليه، وكل ذلك منطلق من أنه شخص عَبدٌ لله عز وجل.