فأعطت والنبي سجل هذه الشهادة الباقية الخالدة للسيدة خديجة وحفظ لها عهدها وودها وحبها إلى سنوات متأخرة وهي تستحق كل ذلك صلوات الله وسلامه عليها . إلى أن وصلت في السنة العاشرة في شعب أبي طالب وقد أثر الضعف والهزال والمرض وقلة الطعام وسوء الرعاية والعناية في بدنها الشريف ووصلت إلى أنها لم تكن تملك إلا ثوبًا واحدًا عليها . فهذه التي كانت تنام على الحرير وتتدثر بالإستبرق وبيتها من أعلى البيوت في قريش وتجارتها رائحة وغادية وإذا بها لا تملك إلا ثوبًا واحدًا .فهذه هي التضحية والإنفاق وهذا الذي أوصل خديجة إلى أن تكون سيدة نساء الجنة .
وفي أواخر حياتها الشريفة وكانت ابنتها فاطمة عمرها خمس سنوات فيما عليه التحقيق أنها ولدت في السنة الخامسة من البعثة وإلى حين وفاة أمها خديجة فيكون عمرها خمس سنوات . فالتفتت وهي في أواخر أيامها إلى ابنتها فاطمة وقالت لها : يا فاطمة اذهبي إلى أبيك رسول الله واقرئي عليه السلام وقولي له إن أمي لما بها راحلة وهي تسألك رداءك كفنًا لها لتلف به . فجاءت فاطمة إلى رسول الله وقالت : يا أبه ، يا رسول الله أمي تقرؤك السلام وتقول لك إنها لما بها راحلة – فلما سمع ذلك رسول الله اغرورقت عيناه بالدموع ، وقالت له : إن أمي تسألك رداءك كفنًا لها تلفها به حين تنزلها قبرها . فتذكر النبي أن هذه خديجة هي التي كانت ذات الثراء والغنى والمال الكثير وإذا بها تمد يدها إلى رسول الله تستعطي وقد كانت يدها ممدودةً دائمًا بالعطاء لم تأخذ شيئًا أبدًا سابقًا . فجاء رسول الله وعيناه قد تحلقتا بالدموع مسرعًا إلى أن وصل إلى خديجة ، فالتفت إليها وسلم عليها ، ثم قال لها : بالكره مني يا خديجة ما أرى منك وقد يجعل الله في الكره خيرًا كثيرًا. فعادةً الزوج الحنون الصالح يحب أن ينعم زوجته ويجعلها في أفضل الحالات فيصعب عليه أن يراها نائمة على فراش مثل التراب وليس عليها شيء وهي تقضي وتموت من الهزال والضعف والمرض .
ثم طرح عليها النبي رداءه وقال لها أنا أكفنك بهذا الرداء . فيقول الخبر : وإذا بالأمين جبرئيل ينزل من السماء على رسول الله ويقول : العلي يقرأ عليك السلام ويخصك بالتحية والإكرام ويقول لك : كفن خديجة علينا . فهي تستحق أن يكون كفنها من الجنة .