كمال الانفاق والبذل :
أنهوا العقد وأرادوا الانصراف فقالت خديجة للنبي : إلى أين يا محمد ؟ فقال النبي : إلى بيتنا بيت أبو طالب. فقالت له : لا هذا البيت بيتك وأنا فيه وما أملك تحت يدك . وصار يتردد حديث بين بعض القرشيين حسدًا منهم لنعمة رسول الله أنه تزوجها من أجل مالها وغير ذلك . ومع الأسف قضايا المال أحيانا تكون حاجب أمام الناس ، فبعض النساء تعلمون أنهم مع الأسف الشديد لا يزوجهن ولي أمرهن لأنها لا تزال تنفق عليه ، فيقول : هذه موظفة الآن راتبها ١٨ أو ٢٠ ألف ريال إذا تزوجت سنخسر هذه الأموال ، فتقضي عمرها بلا زواج لتبقى الأموال عنده . هذه الأموال ظلٌ زائل ومتاعٌ قليل وأنت تحطم حياة هذه المرأة من أجله . فحين تردد هذا الكلام خرجت خديجة في اليوم الثاني ومعها بعض أهلها وطلبت من النبي أن يأتي وبعض بني هاشم ، ولما صارت قريب الكعبة أمرت من يتكلم عنها بهذا الكلام : هذه خديجة بنت خويلد وهذا محمد بن عبدالله زوجها وقد وهبت ما تملك من إبلٍ وغنمٍ وشاهٍ وأعبدٍ وإماءٍ وذهبٍ وفضةٍ وعقارٍ وقماشٍ كل ذلك وهبته لزوجها محمد . فالآن صار كل شيء له فلا يستطيع أن يعترض معترض . وحقيقةً أن هذا المال تصرف فيه النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيما بعد من أجل الدعوة والرسالة ولم يصرف منه شيء على نفسه . تصرف فيه في عتق العبيد الذين أسلموا من مواليهم ، وفي الصرف على الفقراء ومساعدتهم ، حتى أن شخصًا اعترض وقال للإمام عليٌ عليه السلام أني أسمعك تقول أن النبي صرف على هذا وأعطى ذاك ومنح ذاك وأعتق فلان .. فمن أين كان لرسول الله هذا المال ؟ فقال : ويحك ، فأين ذهب مال خديجة إذن ؟ فهذه الدعوة تحتاج في بدايتها لأموال طائلة وقد فعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ذلك بمال خديجة فهنيئًا لها هذا العطاء . فكمال حب من جهة لرسول الله وكمال عقل من جهة في إدارة حياتها والوصول إلى أعلى نقطة . فالعاقل هو من يسخر هذه الدنيا في الوصول إلى أعلى نقطة . فعندنا روايات : سيدات نساء الجنة أربع منهن خديجة بنت خويلد . فالعاقل هو من يعيش في هذه الدنيا بنحو يصل فيها إلى تلك المرتبة في الجنة فأي عقل أكبر من هذا وأي إنفاق أكثر من إنفاق خديجة ولا سيما في أيام شعب أبي طالب .
فشعب أبي طالب استنفذ ما بقي من أموال خديجة . فمن بعثة النبي إلى وفاة خديجة عشر سنوات ، وفي هذه العشر سنوات أنفقت خديجة أموالها بأجمعها في خدمة الدعوة ، ولا سيما في حصار شعب أبي طالب ففي حالة الحصار قديمًا وحديثًا إذا توفر شيء معين يتوفر بأضعاف ثمنه . فإذا لم يكن هناك حصار اقتصادي فإنك تشتري البضاعة بثمنها العادي أما في حالة الحصار فهي تحتاج إلى تهريب وغيره فبشكل طبيعي يرتفع ثمنها ، لذلك أنفقت خديجة ما أنفقت لا سيما في شعب أبي طالب الذي كان فيه عدد المسلمين بدأ يكثر والضغوط المادية والاجتماعية عليهم صارت تعظم .فصرفت وأعطت سلام الله عليها كل ما كان لها . لذلك قال رسول الله مسجلاً هذه النقطة : ( آمنت بي حين كفر بي الناس وصدقتني حين كذبني الناس وواستني بمالها حين حرمني الناس ) لذلك لا يعبأ ببعض الأخبار والروايات أنه ما نفعني الله بمال مثل ما نفعني بمال فلان أوفلان فهذه أحاديث تقليد واستنساخ . فالنبي يقول : هي أنفقت وأعطت حين حرمني الناس وأنت تقول ما نفعني الله بمال مثل ما نفعني بمال فلان وفلان ؟ لكن هذه الأحاديث مع الأسف راجت بعد فترة ، وبالذات في أيام معاوية راجت أكثر .