السيدة خديجة : كمال الحب والعقل والإنفاق

السيدة خديجة : كمال الحب والعقل والإنفاق
00:00 --:--

         وفي ذلك المجتمع القرشي الجاهلي الذي كان الانحراف فيه شيئًا عاديًا على مستوى كبار القوم فضلاً عن الشباب والأحداث . فأنت ترى مثلاً بعض كبار مجتمع قريش كانوا يشترون الجواري ويفتحون لهم بيوت الدعارة حتى يمارسن فعل الزنى ويكتسبن أموال بهذا الطريق ويعطونها إلى من اشتراهم ، فهؤلاء كانوا كبار الشخصيات ومع ذلك تصبح تجارة الدعارة مصدر من مصادره المالية ومعروف أن هذه الجارية التي تمارس الدعارة أو المجبورة على الدعارة هي جارية فلان . ولذلك جاء القرآن الكريم ونهى في مرحلتين ، في المرحلة الأولى قال : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا ) فليس من حقكم استخدام جسم هذه الجارية في مثل هذا العمل المحرم . وهم أيضًا كانوا يمارسون هذا الفعل الشائن ولا يرون فيه شيئًا منفرًا بالنسبة إلى شخصياتهم . نعم هناك فئة كانت تجتنب المحرمات وترفض المنكرات ، لكن لم تكن هذه هي الحالة الشائعة بل كانت الحالة الأخرى هي الشائعة. لذلك تجد أبو سفيان وهو واحد من زعماء قريش فهو رئيس قبيلة وشخصية كبيرة بحساب المجتمع آنئذٍ حين يذهب للطائف يقول لأحد أصحابه أصب لي بغيًا يعني امرأة عاهرة فيدله على زوجة عبيد الثقفي فهي متزوجة ولكنها تمارس هذه المهنة . فذهب إليها وواقعها وأنتجت تلك العلاقة الآثمة زياد بن أبيه .

       فما كان ذلك المجتمع مجتمعًا زكيًا ولا نظيفًا بحيث كانت امرأة كخديجة ثرية وجميلة وأبوها لم يكن موجودًا فقد توفي منذ سنوات طويلة فكان عندها نوع من الاستقلال فثراء من جهة وشباب من جهة ثانية وجمال من جهة ثالثة والمجتمع ما كان يمنع من هذا أبدًا فقد كان مجتمع لاهي وعابث ففي ذلك المكان تترك كل الآثام والفساد الذي كان شائعًا وتنهج منهج الفضيلة والتورع والطهارة إلى حد أنها تعرف بالطاهرة . فقسم من النساء لا يمارسون هذه الأعمال لكنهم غير معروفين أما خديجة فقد كانت معروفة في ذلك الوقت بأنها ( الطاهرة ) وهذا كمال عقل .

   ومن كمال عقلها بحثها عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقد كان الحديث يتردد حول النبي في مكة قبل أن يبعث ، فقد كان الكهنة يتحدثون عن النبي أن هناك نبي يبعث ، والقساوسة والأحبار والرهبان كلهم يتكلمون عن بعثته وأنه يبعث في قريش وعن صفاته إلى حد أن أحد الرهبان مر على مجموعة من نساء قريش وكن جالسات حول الكعبة وقال : يا معشر نساء قريش ، يوشك أن يبعث في هذا البلد نبيٌ من قبل الله فمن أرادت أن تتزوج نبيًا فهنيئًا لمن كانت زوجة ذلك النبي . باقي النساء تضاحكن ومشين أما السيدة خديجة فبقيت في نفسها هذه الكلمات حتى سمعت عن النبي الذي كانت سيرته ذائعة وأنه هو الصادق الأمين وتطرق الإعجاب إلى نفسها بالنبي . والمرأة العاقلة هي هكذا فالمرأة العاقلة لا تبحث عن شاب شكله جميل أو لأن عنده سيارة آخر موديل لأن هذا ينتهي ، فالمرأة العاقلة تبحث عن رجل يمكن الاعتماد عليه ويمكن الاستناد إليه والأشياء الأخرى متممات كالجمال الخارجي والثراء وغيره . فتعلقت خديجة برسول الله لما كانت تسمع عنه ولما كانت تراه فيه إلى أن جاء ذلك اليوم الذي اقترح فيه أبو طالب على ابن أخيه محمد ( صلى الله عليه وآله) أن يعمل مع خديجة وأنها كانت توظف شباب قريش ، فذهب النبي وطلب منها ذلك على أساس أن يعمل معها بطريق المضاربة فيأخذ منها البضائع والأموال ويذهب في التجارة والربح يكون بينهما . فرحبت السيدة خديجة بهذه الخطوة فهي الآن ستتعامل مع من تحبه من قرب . وخديجة أحبت النبي حبًا كبيرًا والنبي بادلها هذا الحب إلى حد أنه كان يذكرها فيما بعد لسنوات متأخرة بالرغم من وجود تسع نساء عنده وفيهن الشابة والبكر والثيب وذات العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين وفيهن الوضيئة جدًا - وإن شاء الله نتحدث لاحقًا عن إدارة النبي للحياة الأسرية وقضية زوجاته في وقت آخر- لكن كل هذا لم يملأ الفراغ الذي تركته خديجة ، لذلك بعض نسائه اعترضت عليه فقال : (ما أصنع إني رزقت حب خديجة ).

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة