ولاتعضلوهن

فإن ارتكبت المرأة الحرام والعياذ بالله وهي متزوجة فذلك أشد حرمة من ارتكابها الزنا وهي عزباء إذ أنّ ذلك يترتّب عليه مفاسد كثيرة من اختلاط النسب و إنجاب طفل غريب عن العائلة ، وهنا يحق للزوج أن يطلقها ويطلب ما آتاها من المال.

٣/ الحكم الثالث الذي تتحدّث عنه الآيات ( وعاشروهنّ بالمعروف )

في مقابل العضل هنا يتعرّض القرآن الكريم لقانون المعاشرة بالمعروف ، حيث أنّ العلاقة بين الرجل والمرأة تكون بين نوعين:

النوع الأول

مرتبة عالية من  المحبة والمودة والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين ، قال تعالى ( خلق لكم من أنفسكم أزواجًا  لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة .. )٥

وهذا هو المستوى العالي من المحبة حيث تتحوّل المرأة إلى جزء من حياة الرجل وكذلك الرجل جزء من حياة المرأة فلا يستغني أحدهما عن الآخر ، فتجد أنّ علاقتهما غاية في الانسجام والتلاؤم .

النوع الثاني

مرتبة متدنية من الكراهية والبغض ناتجة عن بعض الأخلاق السيئة المؤدية لذلك كالتعالي على الطرف الآخر والاستهانة بشخصه أمام الآخرين ، هذه الأمور لابدّ أن تعالج ويبادر الزوجان لإصلاحها وإلا أدّت إلى الكراهية والنفور .

في بعض الأحيان لا يوجد سبب للكراهية والنفور إنما هو عدم وجود انسجام قلبي بين الطرفين وقد يعود لسبب عدم ائتلاف الأرواح ، كما ذكر في الحديث الشريف ( الرواح جنود مجندة  ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف  )

فما لحل هنا لهذه الحالة التي لا يوجد لها سبب، ترشدنا الآيات في قوله ( فعاشروهنّ بالمعروف ) إذ  يجب المعاملة والمعاشرة بالمعروف لعل هذه المعاشرة تؤدي شيئًا فشيئًا للأفضل فلا تكون الكراهية المطلقة دون سبب مدعاة للطلاق ، فيقول( فعسى أن تكرهوا شيئًا و يجعل الله فيه خيرًا كثيرًا )، فلعل تلك المرأة التي كرهت معاشرتها فيها الخير الكثير وقد يرزقك الله منها بذرية طيبة صالحة ، فلا يجب أن يتعجّل الانسان بالطلاق ، وكذلك الأمر بالنسبة للرجل.

هذه بعض القوانين التي تعرّضت لها سورة النساء ووجود القانون وحده لا يكفي بل يجب تطبيقه على أرض الواقع لأنّ ذلك من شأنه أن يحافظ على العلاقة الزوجية والأسرة.

ولنا في رسول الله وأئمتنا وقادتنا خير مثال لتطبيق هذه القوانين ، فهذه السيدة خديجة عليها السلام قد عاشت مع رسول الله صلى الله عليه وآله حياة مفعمة بالأنس والاطمئنان والمحبة والمودة والرحمة ، حيث لم يتزوج امرأة غيرها في حياتها ، وبعد أن توفيت تزوج بتسع نساء لم يقمن مقامها ، فكثيرًا ما كان يذكر ويثني عليها و يترحّم عليها حتى استثار هذا الأمر غيرة بعض نسائه.

وكذلك السيدة الزهراء عليها السلام مع أمير المؤمنين عليه السلام كانت مثالًا لحسن التبعّل ، وكذلك زوجات الإمام الحسين عليه السلام ، فهذه الرباب والدة عبدالله الرضيع ووالدة السيدة سكينة كانت مثال المرأة الصالحة التي حببّت دار الحسين إليه ، فكان فيما نقل عن الإمام الحسين عليه السلام قوله:

لعمرك إنني أحب دارًا تحلّ فيها سكينة و الرباب..

أحبّهما و أبذل جلّ مالي وليس بلائمي فيها عتاب ٦

وهذا دليل على طيب معاشرة هذه المرأة الصالحة التي نالت بها حب زوجها.

وهذا شأن سائر الأئمة إظهار محبتهم زوجاتهم حتى يعلّمون الناس أنّ هذا من حسن المعاشرة وهو إظهار الحب والمودة للمرأة ، فقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ( قول الرجل لزوجته أني أحبك لا يذهب من قلبها أبدًا .. )٧

الرباب رافقت الحسن عليه السلام في مسيرته حيث بلغ بها الإخلاص والوفاء أنها لم تتزوج بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام ، بل عاشت حزينة بعده حتى ماتت كمدًا وحزنًا على الحسين عليه السلام ، وقد رافقت الحسين في مسيرته من مكة إلى كربلاء حيث قدّمت طفلها الرضيع ، ثم رافقت موكب السبي ولم ترجع مع عائلتها كما عادت بعض النساء مع عوائلهن في الكوفة ، بل   رافقت مسيرة السبي إلى منتهاها حتى دخلت مجلس الطاغية يزيد ورأت راس الحسين عليه السلام في الطشت ولما رفع المنديل ورأت الرأس المخضب بالرمل والدماء صرخت  

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة