قضية ولاية العهد
الحديث يطول في هذا، نشير إشارة -كنت أريد أن أعرج على موضوع الواقفه ولكن لا يتسع الوقت- نشير إلى قضية ولاية العهد التي عادة يسأل عنها ويتصور الناس أن ولاية العهد تحتل موقعاً كبيراً في حياة الإمام، والحال ليس كذلك. ولاية العهد للإمام عليه السلام حوالي سنتين فقط، من ٢٠١ إلى ٢٠٣ (التي هي شهادة الإمام في ٢٠٣ هجرية). كان لها ظروف خاصة، ولكنها كانت معروفة للإمام من البداية أن هذه ليست ولاية حقيقية ولا منصباً حقيقياً. لماذا؟
- أولاً: لأن الإمام الرضا عليه السلام في ذلك الوقت أكبر سناً من المأمون العباسي بـ ٢٢ سنة! عادة ولي العهد لابد أن يكون أصغر من السلطان أو قريب من عمره، أما أن يكون ولي العهد أكبر سناً بـ ٢٢ سنة من الخليفة، فلا يتوقع أن يكون هذا الأمر جدياً ضمن الظروف الطبيعية العادية، لا يمكن أن يكون هذا الذي هو أصغر أن يموت وذاك الأكبر أن يبقى ضمن الظروف العادية نقول. هذا واحد.
- ثانياً: هؤلاء كانوا يتقاتلون على المناصب قتالا تقطع فيه الأرحام، وهذا مو فقط بين الأمين والمامون، بين أبيهما وعمهما موسى الهادي وهارون العباسي. أخوه لما أجا موسى الهادي ذاك الوقت عمره ٢٥ سنة، بدأ يفكر في أن ينزع أخاه هارون الرشيد من ولاية العهد ويخليها إلى ابنه اللي كان رضيع ذلك الوقت. طبعاً هارون ما قبل هذا الأمر، فتامر موسى الهادي العباسي أولاً على أمه لكي يسمها؛ لأنها كانت تدعم بقاء ابنها هارون في ولاية العهد، حاول تسميمها وسوى إليها طبخة متروسة السم، لكن إحدى جواريها تنبهت وقالت لها: ليش مستعجلة على الأكل؟ أعطي هذا الماكول إلى كلبة كانت موجودة هنا، إذا مشت زين لو أكلت ما يخالف. فأكلت تلك الكلبة فتهرأت -يعني أصابتها المسمومية- فهي نفسها والدة موسى الهادي تآمرت مع بعض الوزراء واغتالوا ابنها موسى الهادي لكي يصفوا الأمر لهارون! وإذا تصعد فوق أيضاً نفس الشيء، ما جرى بين المنصور أبي جعفر وبين أخيه أبي العباس السفاح نفس الكلام وغيرهما، يعني هاي قضية الاغتيالات وبالذات بالسم كانت أمراً شائعاً في الدولة الأموية وفي الدولة العباسية واستخدم كسلاح للتخلص من المنافسين.
فالمأمون لما يجي ويقتل أخاه الأمين -والأمين أيضاً حاول أن ينزع أخاه المأمون من ولاية العهد وخاض معه حرباً كانت النتيجة فيها أن قتل الأمين وبقي المأمون- فمو شيء عادي أن يأتي بالإمام الرضا عليه السلام لكي يصبح ولياً للعهد ويحول أصلاً الخلاف من بني العباس إلى بني هاشم، وهما ما بينهما المشاكل السابقة، وإنما كانت هناك ظروف خاصة ألجأت المأمون العباسي للقيام بهذا الأمر؛ منها تهديد العباسيين أنه أنتم إذا ما التفيتوا حولي وبقيتوا تراهنوا على الأمين الذي قتل، أنا راح أحول الخلافة إلى بني هاشم، فصيروا عاقلين والتفوا حولي وإلا هذا ترى التهديد جايينكم!
الإمام الرضا عليه السلام في أول أمره رفض، فتهدده المأمون بأنه إذا مات تتولى هذا الأمر، تقتل، ولا شك أنه كان جاداً، والشاهد على ذلك أنه قام باغتيال الإمام الرضا عليه السلام بعد أن رأى أن توليته للعهد لم تنفع المأمون نفعاً كثيراً؛ لأن الإمام الرضا اشترط أن لا يولي ولا يعزل، يعني منصب شرفي مو منصب حقيقي حتى لا تنحسب عليه الإمام في مخالفات شرعية في غير ذلك، تنحسب على الإامام الرضا هذه المخالفات. أضف إلى ذلك، حول الإمام الرضا مسكنه ومكانه إلى محل تذكر فيه مناقب آبائه وأجداده وسبيل لدعوة الناس إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام.