ما لا يصح في سيرة النبي: سلوكيات غير مناسبة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله العظيم في كتابه الكريم:
. آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
حديثنا في هذه الليلة يتناول في ضمن سلسلة (ما لا يصح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله) موضوع عصمه النبي وما يخالفها من الأحاديث والروايات التي توجد في بعض مصادر المسلمين، وسيتبين أن هذه التصرفات والأعمال التي تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تتنافى مع ما هو المفروض في أصل المسألة من عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله.
رؤية المسلمين حول أصل العصمة وحدودها
يتفق المسلمون جميعاً على لزوم عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله، فلا يكاد يوجد من يعبأ بقوله ممن ينفي أصل عصمة النبي صلى الله عليه وآله بغض النظر عن حدودها وسعتها؛ أصل العصمة أمر ثابت وضروري من ضروريات الدين يجتمع عليه المسلمون وإن اختلفوا في حدوده وابعاده وآفاقه. لا يوجد بين المسلمين من يعبأ بقوله ينفي العصمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنها ثابتة لمن سبقه من الأنبياء وهو أفضل منهم، ودلت عليها الآيات المباركات أيضاً.
إنما الكلام هو في سعة هذه الدائرة؛ العصمة عن ماذا؟ وهل هي قبل النبوة وبعد النبوة؟ وهل تختص بالتبليغ للأحكام أو تشمل الأفعال والتصرفات؟ بل أكثر من ذلك: عدم الخطأ في التطبيقات الخارجية سهواً أو عمداً؟ محل الخلاف هي في هذه الدوائر.
أما الشيعة الإمامية، بما انتهى إليهم من الاستدلال بايات القرآن الكريم وبالأحاديث الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام وبالقواعد العقلية التي يستلزمها أمر النبوة والرسالة، فيتفقون على عصمة شاملة كاملة ضرورية لرسول الله صلى الله عليه وآله، تشمل:
- أمر التلقي من الوحي: فلا خطأ ولا اشتباه، فضلاً عن أن يكون هناك تعمد للخطا؛ ما يتلقاه رسول الله من الوحي هو معصوم فيه عن التلقي الخاطئ فضلاً عن تعمد الخطأ في ذلك.
- مرحلة التبليغ: بمعنى أنه عندما يبين للناس حكماً، قضية دينية، عقيدة من العقائد، آية من الآيات، لا يتطرق إلى ذلك أي شك أو شبهة، لا يمكن أن ينسى في التبليغ فضلاً عن أن يتعمد، لا يمكن أن يسهو فيبدل كلمة مكان كلمة أو آية مكان آية سهواً من غير تعمد، هذا أيضاً لا يحصل؛ هو معصوم في مرحلة التلقي من الباري سبحانه وتعالى وفي مرحلة التبليغ إلى الخلق إلى المسلمين فلا يمكن أن يصدر عنه خطأ عمدي ولا سهوي ولا نسياني ولا غير ذلك.
- الأمور الخارجية: حتى في الأمور الخارجية، رسول الله صلى الله عليه وآله عند الإمامية معصوم من هذه الأخطاء، فلا يخطئ فيعين شيئاً مكان شيء أو بدل أن يأخذ هذا يأخذ خلافه.
- الذنوب والقبائح: فإنه معصوم منها كبيرها وصغيرها؛ كبائر الذنوب هو معصوم منها، وصغائر الذنوب أيضاً معصوم منها سواء كان ذلك تعمداً أو نسياناً أو سهواً، بل حتى الأفعال الشائنة والأفعال المنفرة لا يرتكبها رسول الله صلى الله عليه وآله، كل ذلك بتسديد من الله قبل البعثة وبصعمة ضرورية بعد البعثة.
وهذا ملخص للفكرة الإمامية في عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولهم على كل نقطة الكثير من الأدلة، منها ما هو قرآني ومنها ما هو عقلي ومنها ما هو روائي. واحد تلك الأدلة التي أقيمت هي الآية التي افتتحنا بها هذا المجلس المبارك، قول الله عز وجل حاكياً عن كلام رسول الله وموجهاً إياه لكي يخاطب الناس بالقول:
ليس هناك اقتراحات من عندي ولا اتباع للأهواء ولا أخطاء متعمدة ولا سهوية
رأي مدرسة الخلفاء في العصمة
على الطرف الآخر، اتباع مدرسة الخلفاء لهم في هذا أقوال كثيرة؛ أصل العصمة يتفقون عليه، الجمهور الأعظم منهم يقولون بأن رسول الله معصوم من الكبائر. تعلمون أن الذنوب تنقسم إلى ذنوب كبائر وإلى أخرى صغائر، الفرق الذي يعين ما هو الذنب الذي يعد كبيرة والذنب الآخر الذي يعد من الصغائر له بحثه الخاص والاجتهادات المختلفة.
لكن جمهور مدرسة الخلفاء يقولون بأن النبي المصطفى محمد معصوم عن الكبائر، هذه نقطة اتفاق تقريبا بينهم، ثم يأتي بعد ذلك الاتفاق على أنه معصوم في التبليغ فلا يخطئ متعمداً ولا يتعمد البلاغ الخاطئ.
بعد هذه تاتي اختلافات وفرق؛ فالمشهور عندهم جواز الصغائر على رسول الله، من الممكن عند هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وآله يرتكب ذنباً من الذنوب صغيرة، لكن الله لا يقرّه عليه وإنما يوجهه ويرشده ما يخليه يستمر فيه. يقولون: أصل صدور الذنب من الصغائر عن رسول الله صلى الله عليه وآله هذا ممكن، ولكن لا يبقيه الله عليه، يوجهه يعرفه يبينه الله.
الشيعة يقولون: كما أن الذنب الكبير -كبائر الذنوب- لا تصدر عن رسول الله لا عمداً ولا سهواً، كذلك أيضاً صغائر الذنوب، والجواب فيها واحد؛ كما أن ارتكاب الذنب الكبير يسلب الناس الثقه بهذا النبي -لو راينا مثلاً نعوذ بالله نبياً يشرب الخمر وبعده بلحظه واحدة تاب، اعتقاد الناس به يتزلزل، وإذا مشى منه ذنب واحد ممكن باكر هم يسوي ذنب آخر، اللي بعده يسوي ذنب ثالث، وعلى هذا المعدل سواء عن سهو أو عن عمد لا يمكن لأن هذا يؤثر تأثيراً سلبيّاً في اتباع الناس إياه حتى لو استغفر حتى لو تاب- نفس الكلام ينقل إلى الذنب الصغير. اليوم شفناه مثلاً ما صلى صلاة الفجر على سبيل المثال بعدها اغتاب فد إنسان، لو فرضنا أن ذاك الصلاة مثلاً كان من الصغائر، لو فرضنا بعدها اغتاب إنساناً وهذا من الصغائر، بعدها لنفترض نمّ بين شخصين، بعدها ظلم شخصاً، وهكذا! هذا كله ينتهي إلى نفس النتيجة التي ينتهي إليها ارتكاب الكبيرة، حينئذ يسلب الاعتماد من قبل الناس على هذا العاصي والمذنب، ويكون بعض آحاد الناس في تلك اللحظة أفضل منه!
مدرسة الخلفاء هنا يقولون: لا، الكبائر ما يمكن أن يرتكبها لا سهواً ولا عمداً بل هو معصوم منها، لكن الصغائر ممكن تصير منه لكن الله لا يقرّه عليها، ينبهه يرشده يشير إليه.
كذلك يتفقون على أن هناك عصمة في التبليغ، يعني ما يتعمد الكذب، يجيب آية مكان آية، يقول كلام مكان كلام، يجيب حكم مكان حكم، يجيب باطل مكان حق، لا، هذا النبي لا يمكن أن يصدر منه، المفروض في كلامهم أنه لا عمداً ولا سهواً، لكن هنا خليني افتح قوس -سيأتي بعد قليل- مع أن اتباع هذه المدرسه يلتزمون بهذا الكلام، لكنهم ينسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في تفاصيل الأحاديث شيئاً كثيراً حتى في التبليغ الخطأ في التبليغ النسيان غير ذلك، هذا خليه بين قوسين سنرجع إليه.
فهم يتفقون أنه هناك عصمة في التبليغ، لا يمكن أن النبي يخطئ فيه. زين، قراراته، قضاءاته، إدارته للأممور؟ يقول لك: هذا الرأي المشهور لا، ليس هناك عصمة فيها، فمن الممكن أن يصيب النبي ومن الممكن أن يخطئ! وهذا جذر بعض الأشياء التي نقلت؛ مثلاً حديث أن النبي قد غلبه الوجع، أو أن النبي ليهجر، منبعه هو هذا أو ذاك! منبع هذا أو منبع ذاك أنه من الممكن أن النبي يرى رأياً وتدبيراً لكنه مو صحيح، فياتي بعض المسلمين ويصحح له، هذا ممكن فلا عصمة في هذه القرارات!
النبي يجتهد والاجتهاد قابل لان يكون صحيحاً وأن لا يكون صحيحاً، عد في كتب المدرسة الأخرى بحث حول اجتهادات النبي، قرارات النبي، قضاءات النبي، أحكامه، والنبي عندهم مجتهد وطبيعة الاجتهاد أنه مرة يصيب ومرة يخطئ، فاذا كان النبي مجتهداً أيضاً من الممكن أن يخطئ اجتهاده الحق!
وأما في سائر الأمور مثل الأفعال المنفرة وما شابه ذلك فيقول لك: لا، هذا هو بشر بالتالي يقوم بهذه الأعمال ومن الممكن أن تجري عليه، ممكن أن يسهو النبي، ممكن أن ينسى، ممكن أن يتجاوز من غير تعمد. قضية أن النبي يسهو هذا كثير في المدرسة الأخرى، ينسى هذا كثير، يتاثر بأمثال السحر وما شابه ذلك، هذا جزء من الأفكار الثابتة عند مدرسة الخلفاء سيتبين بعد قليل.
أولاً: كما تعلمون الفارق كبير بين رؤية المدرسه الإمامية وبين رؤية مدرسة الخلفاء من أن دائرة العصمة للنبي عند الإمامية دائرة واسعة جداً في عدم الذنوب الكبيرة والصغيرة، في التبليغ، في قراراته، في أحكامه، في قضاءاته، بل حتى في الأعمال المنفرة ولو لم تكن محرّمة لا تتأتى من النبي، كل ذلك إنما هو توجيه وتسديد وعصمة من الله عز وجل لنبيه الأكرم محمد صلى الله عليه وآله.
نماذج للروايات المخالفة للعصمة في مصادر مدرسة الخلفاء
خلينا نشوف بعض الأمور التي ترتبط بمسائل السهو والنسيان وما شابه ذلك، والأحاديث كثيرة لكن نقتصر على قسم منها:
- نسيان الاغتسال: ما ورد في (مسند أحمد) بسنده إلى أحد أصحاب رسول الله وهو أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله خرج إلى الصلاة، فلما كبر صلاة الفجر كبر، فلما كبر انصرف -ترك يعني الصلاة- وأومأ إليهم قال لهم: خليكم على ما أنتم عليه، كما أنتم، أوما إليهم يعني خليكم هكذا، ثم خرج من المسجد فاغتسل، ثم جاء ورأسه يقطر من أثر الاغتسال والماء فصلى بهم! يظهر من هذا أنه هم كانوا ينتظرون -يعني ما أنشأوا صلاة وتكبيراً جديداً- فلما صلى قال: إني كنت جنباً فنسيت أن أغتسل فقلت لكم خليكم على راحتكم وعلى صلاتكم، أنا رحت اغتسلت ورجعت. هذا مما يشير -وهذا في غير (مسند أحمد) أيضاً منقول- يشير إلى أنه لا مانع أن النبي في هذه المدرسة ينسى أن يغتسل ويأتي ويصلي بالجماعة وفي الأثناء ينصرف عنهم وينتظرهم حتى يرجع -شقد يستغرق؟ الله العالم- ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم ثم أخبرهم أنه كان جنباً ونسي أن يغتسل. فجاءت هذه نسبة النسيان في فعل رسول الله في هذا العمل.
- قصة ذي اليدين: أكثر من هذا قصة ذي اليدين أو ذي الشمالين، وهي مروية في أكثر من مصدر من مصادرهم، وخلافتها أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بالمسلمين صلاة الظهر، فلما كان في الركعة الثانية بدأ بالتشهد بدل أن يقوم إلى الركعة الثالثة استمر وسلم وجلس! بدل ما يصلي أربع ركعات صلى ركعتين وسلم! الناس ينتظرون من خلفه بالتالي أن يقوم الآن لصلاة للركعه الثالثة من صلاة الظهر، فشافوا النبي قاعد فسكتوا، إلا شخصاً واحداً يقال له ذو الشمالين أو ذو اليدين قال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فالتفت النبي إلى هذا الرجل وقال له: ما قصرت الصلاة ولا نسيت! أنا صليت أربعة المفروض! والتفت إلى سائر المسلمين يستفهمهم عن ذلك، فأشاروا إليه أن ما قاله ذو اليدين صحيح، فأكمل رسول الله الركعة الثالثة والرابعة معهم. ومعنى هذا أولاً أن النبي ينسى، وأنه ما يدري أنه نسي أو لا! قال له: لا ما قصرت الصلاة ما صلينا قصر ولا أنا ناسي، أيضاً الواحد إذا نسي شيئاً ينبه خلاص يلتفت، بحسب هذه الرواية لم يحصل هذا أمر ما. هذه الرواية الغريب أنها موجودة أيضاً في بعض كتبنا في بعض كتبنا كما في كتاب الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه، لكن إجماع علمائنا على طرح هذه الرواية وعدم القبول بها لما يعترضها من إشكالات ذكرت منها أن الراوية لهذه الرواية في الأصل هو أبو هريرة، وأن أبا هريرة إنما جاء إلى رسول الله والتحق به في حدود سنة سبعة هجرية، بينما ذو اليدين وذو الشمالين قتل في معركة أحد -وين معركة أحد سنة ثلاثة هجرية ونحوها، ووين إلتحاق الراوي برسول الله ومعرفته أحواله في سنه سبعة هجرية؟ هناك فاصله أربع سنوات وهو لا ينقلها عن غيره وإنما مباشرة يحكيها- على أنه هذا يخالف كما قالوا القواعد العقلية بل القرآنية التي تقول:
وأمثالها مما دل في القرآن على عصمة النبي في أفحاله سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى وهكذا في سائر الآيات المباركات. فلذلك عندنا مثلاً مما أخذ على الشيخ الصدوق رحمه الله إجماع تقريباً من علمائنا على انتقاده في هذه المسيلة وقالوا: هذا الشيخ يقول بسهو النبي وهذا خلاف لأمر العصمة. طبعاً هو يوجهها بتوجيه آخر الآن نحن لسنا في صدد، لكنه يقول: هذا إسهاء من الله للنبي لا سهو من النبي حتى لا يصير غلو من الناس فيه، لكن هذا الكلام كلام غير علمي وغير صحيح كما ذكر علماؤنا. فهذه الرواية موجودة في مصادر مدرسة الخلفاء وأيضاً في بعض مصادرنا وهي بعض كتب الشيخ الصدوق وقد ردوا عليها أي العلماء مفندين إياها. هذه أيضاً بالنسبة إلى المدرسة الأخرى عادي عندهم، ليس هناك رد على هذه مادام أحد الصحابه قد رواها وحتى لو كان مرسل الصحابي فإنه يقبل عندهم وما احتاجوا إلى تبريرها وتفنيدها ليش؟ لأن أن يسهو النبي هذا ليس داخلاً ضمن إطار العصمة كما ذكروا. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ
- الآيات المسقطة: الأمر الذي أكثر من هذا، ما جاء في (صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وآله سمع رجلاً يقرا من الليل، في الليل واحد من المسلمين قاعد يقرأ فقال: (يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا). هذا الرجل الآن المسلم قاعد يقرأ آيات أنا اسقطتها! كذا وكذا آية، مو آية واحدة مو في سورة واحدة، وإنما في كذا وكذا سورة أنا اسقطتها! وفي بعض النقولات: كنت نسيتها. طيب، اسقطتها يخالف فكرة العصمة في التبليغ! إذا كان قد اسقطها أو نسيها ولم يذكر بها ولم يقرأ بها فهذا مخالف لتبليغ الوحي عن الله عز وجل، وين صار
؟ إذا نقول: نسيت، هذا مخالف للآية المباركة، إذا اسقطتها بعد الأمر أشد وأعظم! نقول هنا إن بعض ما جاء في أحاديث ومصادر تلك المدرسة يخالف حتى هذا المقدار القليل الذي التزموا به من الناحية العقائدية مثل أنه في التبليغ لا يخطئ لا يسهو لا ينسى. سنقرئك فلا تنسى
- استماع الباطل: أكثر من هذا أيضاً أشاروا إلى أن في هذه المصادر إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله بطريق غير مباشر كان قد يستمع شيئاً من الباطل والعياذ بالله! ففي (مسند أحمد) أيضاً -مسند أحمد يعتبر من المصادر الحديثية المهمة في مدرسة الخلفاء- قال في قصة أن رجلاً من المسلمين جاء إلى رسول الله وقال له: أنا أنشأت قصيدة في مدح الله عز وجل وفي مدحك فأريد أن أقرأها عليك، فبدأ يقرأ، فجعلت أنشده، قال: ثم جاء فاستأذن عليه رجل من الصحابه -ماكو داعي حتى واحد يجيب الأسماء- فاستأذن عليه أحد الأصحاب فقال له النبي -للمنشد للشعر-: بين بين، يعني شوية خفض صوتك لا ترفعه، ففعل ذلك مرتين -خفّض خفّض خفّض مثلاً- أو ثلاثاً. قلت: يا رسول الله، من هذا الذي استنصتني له يعني خليتني اسكت؟ فقال: هذا فلان، هذا رجل لا يحب الباطل. زين، هذا بقدر ما فيه مدح لبعض أصحاب رسول الله فيه بالملازمة أن النبي نعوذ بالله رجل يحب الباطل ولذلك أسكته هناك بينما هو استمر يستمع! وكان الحديث يريد أن يقول بطريق غير مباشر لكنني أنا لا أمانع من الباطل، وهذا كلام بالنسبة إلى رسول الله كلام صعب، ولذلك احتار فيه بعض الشراح لأن ظاهره ظاهر جداً شنيع، ظاهره جداً سيء، فحاولوا التبرير صاعد نازل يمين شمال ولكن لم يأتوا بشيء. ومثل ذلك ما ذكره صاحب كتاب (الاستقامة) الذي يقول شيء قريب من هذا في أن امرأة نذرت -قال كما في الحديث الذي في السنن- أن امرأة نذرت أن تضرب لقدوم رسول الله صلى الله عليه وآله، إن رجع النبي نجيب العود ونضرب عليه، هذا نذر شكراً إلى الله سبحانه وتعالى. زين، عندنا خب النذر لابد أن يكون راجحاً، واحد مثلاً ينذر لله إذا صار الليلة مجلس يأخذ من فلان فلوسه هذا مو راجح، أن مثلاً يقوم بعمل محرم هذا نذر غير راجح، وإنما يتقرب بالراجح وينذر لله به. هذه جت ونذرت أن تضرب بالعود لأجل قدوم رسول الله فرحاً به، فلما قدم وبدأت جاء أحد الأصحاب فأمرها بالسكوت: شنو قاعدة تسوين هالشكل تدكدقين بالموسيقى أمام النبي؟ فقال النبي وقد أمرها بالسكوت: هذا رجل لا يحب الباطل. نفس الكلام، كأنما هناك حادثتان، تلك حادثة رجل يقرا شعراً وهذه حادثة امرأة تضرب عوداً، وكان موضوعها ينتهي إلى ماذا؟ إلى أن النبي نعوذ بالله مانع عنده أن يسمع بالباطل! ونفس الكلام هنا محاولات أن كذا وكذا وإلى آخره لكن لم يأتوا بشيء ينفع.
- سلوكيات وأفعال منفرة: وأما الأعمال غير المناسبة، قد لا تكون محرمة بل قد تكون مكروهة، أو إذا بنيت على شيء معين قد تكون مثلاً محرمة. الحديث المشهور الذي نقلوه عن حذيفة بن اليمان أنه بينما كان النبي يمشي حتى وصل إلى سباطة قوم -مكان كناسة مجمع الزبائل غير ذلك يسمى كناسة- فوقف رسول الله وبَالَ! ثم أمرني أن أأتيه بوضوء -بوضوء يعني ماء- فأتيته بوضوء فتوضأ ومسح على خفيه! هم كان نعوذ بالله يبول واقفاً، وأيضاً عندما توضأ توضأ ومسح على خفيه لا على قدميه! يعترض المعترضون على مثل هذا الامر أن هذا قطعا مناف للمروءة حتى لو كان جائزاً من الناحية الشرعية، حتى لو قلنا نتغاضى عما ورد في أن البول واقفاً كما ورد في بعض الروايات أن أكثر عذاب أهل النار من البول واقفاً وكراهة هذا العمل وما شابه ذلك، حتى لو تغاضينا عن هذه الأمور كلها، لكن هذا الفعل لا شك إخلال بمروءة فاعله! لو أنك الآن رايت أيّ واحد من العلماء، واحد من الوجهاء، واحد من المؤمنين وقف في سباطة قوم في محل كناسة معينة -ويفترض أنه داخل الديرة مو مثلاً في الصحراء، الكناسات إنما تكون في هذه الأماكن- وفعل هذا الفعل، لا شك أنه يهبط من عينك، لا شك أن هذا يخل بمروءته وشخصيته، لكن مع ذلك هو ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله!
- تفضيل الأنبياء على النبي: وغير ذلك من تفاصيل الأحاديث شيء كثير فيه إخلال بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله، مثلاً أن ينقل أيضاً في (مسند أحمد) عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الداعي لأجبته) ما أسوي مثل ما سوى يوسف؛ ظل صامد وظل معتصم برأيه وقال له: لا أنا ما أطلع إلا أن تروح وتسأل فاسألهنّ بالنسوة اللاتي قطعن أيديهنّ، لاجي لازم يتبين عذري في ذلك حتى أجي معاك. بحسب الحديث النبي كأن أقم صبرًا من نبي الله يوسف؛ لو لبثت أنا بقد اللي بقى يوسف -فالشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين- لو كان أنا مكان يوسف ما كنت أتحمل هذه الأمور وأروح وياهم خلاص قال لي تعال قول له بسم الله، أما أنه لازم أعلن براءتي ويصير معلوم عند الجميع لا، كان هذه تحتاج إلى صبر أكثر! وهذا إذا كان هذا المعنى هو معنى الحديث ينتهي إلى تفضيل يوسف النبي على رسول الله، والحال أن رسول الله هو افضل خلق الله وهو سيد الأنبياء والمرسلين.
فهذه الأحاديث نريد أن نقول إن حتى المقدار الذي يثبته علماء مدرسة الخلفاء من هالقدر البسيط والقليل من عصمة رسول الله، نشوف في تفاصيل الأحاديث مو هالشكل؛ نشوف أن هذا النبي يسقط آيات والحال إذا أسقط آيات كأنما صار هناك خللاً في التبليغ، نرى أن هذا النبي في رأي هذه الأحاديث يسوي أعمال غير معقولة نعوذ بالله يحب الباطل بينما سائر أصحاب النبي أو بعض أصحاب النبي لا يحبون ذلك ولا يرتاحون إليه، وعلى هالعدل وقوفه في مسجده وهو يشاهد الحبشة وهم يلعبون بالرماح وما شابه ذلك مع أن المسجد لم يخلق لمثل هذه الأمور للترفيه وما شابه ذلك -لو أن إنساناً في مسجد البلدة جاء بفرقة مثلاً على سبيل المثال يترقصون ويقذفون بالحراب يعترض عليه أن هذا المسجد لم يوقف لهذا الامر، من الذي أجاز لك هذا؟ إذا كان واحد عادي من الناس فكيف إذا كان سيد الناس؟!-.
هذه المجموعة من الأحاديث وسواها وغيرها التي لم نستطع لضيق الوقت أن نتعرض إليها بالكامل، نقول هي معارضة حتى لذلك المقدار البسيط الذي قرر في كتب العقائد التابعة للمدرسة الأخرى من أنه فقط في هالموارد النبي. الصحيح هو ما ذهب إليه الإمامية من أن رسول الله صلى الله عليه وآله سدده الله، أيده الله، عصمه الله، سدده قبل النبوة بحيث لم يعرف منه خطأ من الأخطاء، ولذلك ما ادعى عليه الكفار مثلاً القول إنه أنت كنت إنسان منحرف حتى قبل البعثة.
ذكرنا في ليلة مضت ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام من أن الله قد قرن بنبيه مذ كان فطيماً ملكاً من أعظم ملائكته يسلك به سبيل المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، هذا قبل البعثة ومذ كان فطيماً -أبو ثلاث سنوات وأربع سنوات- كان مسدداً مؤيداً مربىً من قبل الله مؤدباً منه، حتى إذا صارت البعثة صارت له العصمة الضرورية الشامله بالنحو الذي ذكرناه في أول هذا الحديث.
هذا هو الذي نعتقده في رسول الله، ونعتقد أن الفكرة الأخرى تنتقص النبي وقد تكون هي مخرجا -ووضعت هذه الأفكار والاحاديث وكذا لمخالفات سوف ترتكب فيقال مثلاً: النبي قال هكذا، طيب وإذا قال النبي هالشكل هذا اجتهاد وهذا اجتهاد والاجتهاد هذا احسن من ذاك، النبي فعل كذا وكذا، طيب النبي ممكن أن يغلط، ممكن أن يرتكب بعض الذنوب السو مو كبيرة ولكن بعض الأشياء البسيطة ممكن أن يصير هذا-! زين، الاعتراضات التي صارت فيما بعد: أحد حكام بني أمية يقول له أبو الدرداء وقد راه يلبس الحرير -لبس الحرير من قبل الرجال حرام- فقال له أبو الدرداء من أصحاب رسول الله، قال له: يا فلان، ألم تعلم أن النبي نهى عن ذلك وحرمه؟ فقال: ولكني لا أرى به باساً! النبي غير قال مشتبه هذا في هذا الموضوع أنا لا أرى به باساً! وهكذا سائر المخالفات التي صارت في الأمة إذا احنا أثبتنا العصمة الكاملة انطردت وياها، لكن إذا قلنا لا، هذا اجتهاد وذاك أمر غير لازم وهذا رأي راه وهذا كذا وهذا كذا، خلاص بعد تنحل المشكلة من أوسع أبوابها.
عظمة النبي ووراثة أهل بيته لخصاله
الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله اصطفاه الله في نسخة فريدة لم يخلق ولا يخلق ولن يخلق مثلها أبداً، فكان هذا الكيان المقدس الشريف المعصوم من كل صغيرة وكبيرة، المبرأ من كل دنس قليل أو كثير، البعيد عن كل خطأ وخطل في قوله وفي فعله، فجاء سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله.
نعم، من رباهم رسول الله شابهوه مع حفظ النسبة؛ ربى علي بن ابي طالب عليه السلام فكان الصورة الأخرى المصغرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، لا يساوي أبداً عند الشيعة لا يساوي علي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد روي أن أحدهم كان يسأل علياً عليه السلام: أنت أفضل أم فلان من الأنبياء؟ ويجيبه، حتى إذا وصل بالقول: أنت أفضل أم محمد؟ قال: ويحك! أنا عبد من عبيد محمد النبي، محمد حسابه مختلف.
نعم، معجزة رسول الله أحد معاجزه أنه صنع وربى ووجه علياً حتى صار علي بن ابي طالب فهو إحدى ثماره وهو إحدى معاجزه وهو إحدى تربيته سلام الله عليه، الذي يشبه النبي في أخلاقه في صفاته مهما كان هو نسخة مصغرة.
ومن أولئك ما ذكروه في علي الأكبر ابن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليه السلام