وأحيانا يتصور البعض أن الاستشارة كانها تعني أن الانسان قليل الرأي وانه ما عنده أفكار وانه عنده جهل، وهذه الفكرة هي الفكرة الجاهلة: أنا ما أتشاور وياك ليش؟ لأنه أخاف تتصور أن أنا ما عندي تفكير، ما عندي آراء، ما عندي رؤية في هذا الموضوع، ما عندي نضج، فأخلي أحسن لا استشير هذا ولا استشير هذا، وقدام الناس أنا بعد العارف بكل شيء العالم بكل شيء. طيب وما استشير أحد! نتيجة هذا في كثير من الأحيان كما يشير النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله أن الإنسان قد يندم، وهذا بالفعل يعني الإنسان يشعر به.
ولذلك في هذه الأزمنة النمط الحديث في تأسيس المشاريع وغير ذلك، هناك استشارات في الموضوع المالي، هناك جهات استشارية تقدر تخبرك عن وضع السوق ونشاطه وهل أن هذا العمل المعين في هذه المنطقة المعينة في هذا الزمان المختار هل هو نشاط جيد أو لا، بناء على دراسات تقدم لك مشورة وأحيانا تأخذ أموالاً في مقابل ذلك. لكن هذه الأموال اللي تأخذها هذه الجهة الاستشارية مثلاً هي أقل بكثير من الإقدام على عمل من دون مشاوره، من دون إخبار، من دون إشراك الآخرين. واحد يروح ويستثمر هالقد فلوس بعدين بعد ستة أشهر يتورط، بس يريد يبيع الأثاث ماله بنصف قيمته.
الصحيح بالنسبة إلى الإنسان في الحالة الإسلامية أنه أولاً يفكر في الأمور؛ صار عندك قضية تريد تزوج، تريد تفتح شركة، تريد تنشئ مشروع ديني، تريد كذا، تصادق شخصاً، تريد تنتقل من هالشركة إلى شركة أخرى، من هالعمل إلى العمل. أول شيء الإنسان يبدا يفكر ويكون تفكيره منطقي إلى حد ما، يجيب يخخلي قدامه ورقة يمين وورقة شمال يبين فيها حسنات هذا العمل ويبين في الورقة الأخرى سيئات هذا العمل. إذا وصل إلى نتيجه فنعمه ما صنع، وإذا ما وصل الصحيح بالنسبة له أن يستشير أهل المعرفة بذلك الموضوع؛ موضوع يرتبط بالقضايا الدينية يستشير إنسانا عنده معرفة دينية، موضوع يرتبط بقضية اجتماعية وزوجية وما شابه ذلك يروح يختار واحد اللي عنده حكمه في هذا الأمر، موضوع مالي يروح دور واحد عنده معرفة بالسوق وشؤونها وأمين يكون لا يسوي إله مقلب، وهكذا وعلى هذا المعدل.
الاستشاره تعقب الراحة وعدم العتاب لو واحد راح وسوى شيء من دون أن يستشير أحد ووقع وقعة، ذاك الوقت الناس يلومونه يقولون له: طيب أنت قبل هذا اقرأ في هالموضوع، فكر فيه، استشير أهل الخبرة وأهل المعرفة، بعدين ادخل على هذا، أما تروح تخلي إلك مقادير ماليه ضخمة في بعضهم وتتورط، ذاك الوقت وهذا أنت معاتب غير أنك خاسر أيضا معاتب من قبل العقلاء.
الاستشارة دليل عقل وحكمة وليست دليلاً إلى نقص وجهل. إذا شفت إنساناً مستبداً برأيه الكلمة والكلمة الثانية يقول هذا رأيي أنا هالشكل، هذا يتبين أن مركب الجهل قد ركبه. أما إذا واحد لا، ما عنده مشكلة أن يشاور هذا ويشاور ذاك ويجمع الآراء كلها ويشوف جهات الموضوع المختلفة ثم هو يقرر، مو مطلوب أن غيرك يقرر عنك، ولكن مطلوب منك أن تجمع آراء الآخرين ممن هم أهل رأي، أهل حكمة، أهل معرفة، وإلا سيلحقك الندم.
أنت تقدر تشوف مهما تكون تقدر تشوف المسألة من جهة واحدة. أنا وأنت الآن جالسون في هذه الحسينية نقدر نشوف الجدران الداخلية بس ما نقدر نشوف الذين هم في الخارج، يستطيعون أن يروا الجسم الخارجي واحنا نقدر نشوف الجسم الداخلي لهذه الحسينية. نفس الأمر في القضايا المختلفة مالية اجتماعية غير ذلك عملية وظيفية، هناك أنت تشوف الموضوع من جهه وغيرك يراه من جهات أخر، اجمع إلى نفسك هذه الآراء كلها.